الحقد يتحول إلى سلوك اجتماعي.. والخبث يتنكر في ثوب الذكاء

ضربة قلم
كثيرون لا يبالون بخبثهم، بل إن بعضهم يظن أن الخبث نوع من الذكاء، وأن القدرة على المراوغة والتذاكي والتسلل إلى حياة الآخرين بحثاً عن معلومة أو مصلحة هي دليل على الفطنة. والحقيقة أن الفرق كبير بين الذكاء وبين الدناءة، وبين حسن التدبير وبين التآمر الرخيص. فليس كل من أتقن التمثيل ذكياً، وليس كل من ابتسم في وجهك محباً لك.
طينة من هذه الشرذمة، حين تبحث عن معلومة، تتصل بك متظاهرة، بأنها تكن لك كل الحب والتقدير، وتغلف أسئلتها بكلمات ناعمة وعبارات مجاملة، بينما هي في الحقيقة، تكيد لك كيداً، وتبحث عن منفذ إلى حياتك أو عن معلومة، يمكن أن تستعملها ضدك. ولو كان الأمر بيدها، ربما تمنت لك ما هو أكثر من مجرد الأذى، لكنها تكتفي بإخفاء ما تضمره، خلف ابتسامة مصطنعة ونبرة مليئة بالود.
والأغرب من ذلك أن مثل هؤلاء لا يحتاجون إلى مناسبة كبيرة، لكي يكشفوا حقيقتهم. يكفي أن تحتاج منهم خدمة تافهة، وأبسط من بسيطة، حتى تجدهم وقد استنفروا كل ما في داخلهم من جفاء وحقد ورفض. خدمة لا تكلفهم شيئاً، ولا تنقص من قدرهم شيئاً، ومع ذلك يعجزون عن تقديمها، ليس لأنهم لا يستطيعون، وإنما لأنهم لا يريدون، أن يفعلوا خيراً لمن يحملون له ضغينة مجانية.
وهنا تكمن المفارقة: أشخاص يريدون معرفة تفاصيل حياتك، يسألون عن أخبارك، يتابعون خطواتك، ويتظاهرون بالاهتمام بك، لكنهم في اللحظة التي تحتاج فيها إلى موقف بسيط أو مساعدة عابرة، يتوارون خلف الأعذار أو يتلذذون بعجزك. كأنهم يريدون أن يكونوا قريبين منك حين يتعلق الأمر بالمعلومة، وبعيدين عنك حين يتعلق الأمر بالمروءة.
لسنا هنا لإعطاء دروس في الأخلاق، ولا ندعي أن البشر ملائكة لا يخطئون. كل واحد منا يخطئ ويقصر، وقد يرفض مساعدة شخص لأسباب تخصه. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الحقد إلى عادة، والشماتة إلى سلوك، والتذاكي إلى وسيلة للتعامل مع الآخرين. والأسوأ حين يصبح الإنسان مقتنعاً، بأن إخفاء نواياه السيئة وراء كلمات جميلة، يجعله أذكى ممن حوله.
نحن، في الحقيقة، أمام ظاهرة اجتماعية تستحق شيئاً من التأمل. فانتشار الحقد المجاني، وسوء الظن، والتصيد، والتشفي، والرغبة في معرفة أسرار الآخرين، دون أي استعداد لمد يد العون لهم، كلها مؤشرات على خلل، يتجاوز الأشخاص إلى طريقة أوسع في التعامل بين الناس.
المجتمع لا تفسده فقط الجرائم الكبيرة والفضائح الصاخبة؛ أحياناً تفسده أيضاً تلك السلوكات الصغيرة التي تبدو عابرة: شخص يفرح لتعثر غيره، وآخر يتمنى فشل جاره، وثالث يتظاهر بالمحبة فقط ليحصل على معلومة، ورابع يرى في حاجة الآخرين فرصة لإشباع حقد قديم.
وربما أخطر ما في الأمر أن أصحاب هذه السلوكات، لا يرون أنفسهم مرضى بها أصلاً. إنهم غالباً مقتنعون بأنهم أذكياء، وأن الآخرين هم السذج. وهنا تصبح المشكلة أكثر تعقيداً، لأن الإنسان الذي لا يرى عيباً في سلوكه، لا يجد سبباً لمراجعته.
وفي النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الكلام حتى يعرف معدن من حوله. المواقف الصغيرة، تكشف أحياناً ما تخفيه سنوات من المجاملات. ومن احتاجك للمعلومة، ثم اختفى حين احتجت إليه في موقف بسيط، فقد قال عن نفسه الكثير دون أن يقصد.
المروءة لا تحتاج إلى خطب، والمحبة الحقيقية، لا تحتاج إلى تمثيل، والذكاء لا يقاس بقدرتك على خداع الآخرين. أما الحقد، مهما حاول صاحبه أن يجمّله، فله رائحة تظهر عاجلاً أم آجلاً، خصوصاً عندما تأتي لحظة الاختبار.
وربما ما يحير فعلاً ليس وجود هذه النماذج بيننا، فقد وُجدت دائماً، وإنما اتساع حضور هذه الأمراض الاجتماعية إلى درجة تجعلنا نتساءل: ماذا حدث للثقة بين الناس؟ ومتى أصبح حسن النية سذاجة، والمروءة ضعفاً، والخبث ذكاءً؟
أسئلة كثيرة، والأجوبة ليست سهلة… لكن المؤكد أن المجتمع الذي يفقد الثقة والمروءة شيئاً فشيئاً، يحتاج إلى أكثر من مجرد لوم الأفراد؛ يحتاج إلى مراجعة عميقة، لقيم التعامل بين الناس، لأن بعض الأمراض الاجتماعية، لا تُرى في المستشفيات، لكنها تترك آثارها في النفوس والعلاقات والمجتمع كله.




