الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الحقيقة أصبحت تهمة.. والمنافقون في أمان! فمن قتل فينا شجاعة الكلام؟

م-ص

في زمنٍ لم يعد يُقاس فيه الإنسان بما يعرف، بل بما يُخفي، أصبح الصمتُ مهارةً تُدرَّس، والكلامُ مغامرةً، قد تكلف صاحبها أكثر مما يتوقع.

لم يعد السؤال: “من على حق؟”، بل أصبح: “من يملك الجرأة ليقول الحقيقة؟”

كثيرون يرون، لكنهم لا يتكلمون.
وكثيرون يسمعون، لكنهم يتظاهرون، بأنهم لم يسمعوا شيئًا.
أما الذين يتكلمون… فيُعاملون وكأنهم ارتكبوا جريمة، فقط لأنهم رفضوا أن يكونوا جزءًا من جوقة التصفيق.

لقد أصبحنا نعيش في عالم غريب؛ عالمٌ يستطيع فيه المنافق، أن ينام مرتاح البال، بينما يقضي الصادق ليلته، وهو يراجع كل كلمة قالها، ليس لأنه أخطأ، بل لأنه يعرف أن الصدق أصبح مكلفًا.

الغريب أن الجميع يشتكي من الفساد، لكن عندما يظهر من يتحدث عنه، يلتفت بعض الناس إليه، بدل أن يلتفتوا إلى الفساد نفسه. وكأن المشكلة ليست في الحريق، بل في الشخص الذي صرخ: “النار!”

هناك من أتقن فن الانحناء، حتى ظن أن الانحناء هو الوقوف الطبيعي.
وهناك من اعتاد التصفيق، حتى نسي كيف يستعمل يديه للعمل.
وهناك من يبدل مواقفه، أكثر مما يبدل ثيابه، فإذا تغيّر اتجاه الريح، غيّر مبادئه معها، ثم أقنع نفسه، بأنه ثابت لا يتغير.

العجيب أن كثيرًا من المجتمعات، لا تعاني من قلة الكفاءات، بل من كثرة الخوف.
فالطبيب يخاف.
والأستاذ يخاف.
والموظف يخاف.
والصحفي يخاف.
والمواطن العادي يخاف.

وعندما يخاف الجميع… يصبح الصمت هو اللغة الرسمية، وتتحول الحقيقة، إلى همسٍ، يُقال خلف الأبواب المغلقة.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، ليس أن ينتشر فيه الكذب، بل أن يصبح الصدق، تصرفًا غريبًا يثير الاستغراب.

عندها، يصبح صاحب الرأي الحر متهمًا حتى يثبت العكس، بينما ينال صاحب المجاملة كل الأوسمة، لأنه يعرف متى يصمت، ومتى يبتسم، ومتى يصفق.

لكن التاريخ لا يكتب أسماء الذين صفقوا.
ولا يحتفظ بصور الذين كانوا يجلسون في الصفوف الخلفية، ينتظرون نهاية الحفل.

التاريخ يتذكر أولئك الذين امتلكوا شجاعة السؤال، حتى وإن كانوا وحدهم.

ولذلك، فإن المجتمعات، لا تتقدم لأن الجميع متفقون، بل لأنها تسمح للاختلاف أن يُقال، وللنقد أن يُسمع، وللأفكار أن تتنافس بدل أن تُحاصر.

أما المجتمع الذي يخاف فيه الناس من كلمة، فإنه سيحتاج يومًا إلى آلاف الكلمات، ليشرح لماذا تأخر، بينما كانت الأمم الأخرى تبني مستقبلها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا على نفسه:

إذا أصبح الصمت وسيلة للنجاة… فمن سيتكفل بإنقاذ الحقيقة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.