الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

الحكم على “بن نسنس” بالسجن النافذ… بين صانع المحتوى وصانع الحفر

ضربة قلم

بعد أن قضت المحكمة الابتدائية بتمارة، بإدانة صانع المحتوى المعروف بـ”بن نسنس” بثمانية أشهر حبسًا نافذًا، مع تغريمه مبلغ 20 ألف درهم، ورفض المطالب المدنية لجمعية انتصبت طرفًا في الملف، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي من جديد، وانطلقت موجة جديدة، من التحليلات والتعليقات، وخرج من تحت الأنقاض، جيش الخبراء الموسميين الذين لا يظهرون، إلا عندما تكون “الترندات” ساخنة.

القضية، بصرف النظر عن تفاصيلها القانونية التي تبقى من اختصاص القضاء، أعادت طرح سؤال قديم يتجدد كل يوم: أين يبدأ المحتوى وأين تنتهي المخالفة؟ وهل أصبح عدد المتابعين بمثابة جواز مرور فوق القانون؟ أم أن الشهرة، مهما تضخمت، تبقى مجرد رقم لا يعفي صاحبها من المسؤولية؟

أولا: كتيبة المصفقين عند الطلب

أول من اقتحم ساحة النقاش، لم يكونوا المحامين ولا المختصين في القانون، بل كتيبة المصفقين عند الطلب. هؤلاء لا يقرؤون الملفات، ولا ينتظرون حيثيات الأحكام، ولا يكلفون أنفسهم عناء الاطلاع على الوقائع. يكفي أن يعرفوا اسم الشخص حتى يقرروا مسبقا، إن كان بطلا يستحق الدفاع، أو متهما يستحق الإدانة.

فإن كان من دائرتهم، تحول بين ليلة وضحاها إلى ضحية مؤامرة كونية، واستُنفرت كل نظريات الاستهداف لتبرئته. أما إذا كان من خارج القبيلة الرقمية، فلا حاجة إلى محاكمة أو أدلة؛ فالإدانة عندهم جاهزة قبل أن يجف حبر المحاضر.

إنهم خبراء في تبديل المواقف أكثر من خبرتهم في البحث عن الحقيقة. يصفقون اليوم، ويهاجمون غدا، ثم يعودون للتصفيق بعد غد، دون أن يشعروا بأدنى حرج، وكأن الذاكرة عندهم تُمسح تلقائيا مع كل تغيير في اتجاه الرياح.

هؤلاء لا ينتمون إلى مدرسة البحث عن الحقيقة، بل إلى مدرسة التصفيق حسب الطلب؛ بوصلتهم الوحيدة هي المصلحة، وشعارهم الدائم: “قل لي مع من تقف، أقل لك ماذا سأكتب.” فهم لا يتبعون الوقائع، وإنما يتبعون الرياح، وحيثما اتجهت المصالح، اتجهت أصواتهم.

ثانيا: الأجراء الذين يأكلون طالعين ويأكلون هابطين

ثم يأتي الصنف الأكثر مرونة من المطاط: أصحاب المصلحة الدائمة، أو كما يقول المغاربة: “الذين يأكلون طالعين ويأكلون هابطين”.

هذا النوع لا يخسر أبدا. إذا صعد الشخص مدحوه، وإذا سقط هاجموه، وإذا عاد إلى الواجهة عادوا إلى مدحه من جديد. المهم أن يبقى الخيط موصولا بالمصلحة.

لديهم قدرة خارقة على تبرير كل شيء. التناقض عندهم ليس مشكلة، بل استراتيجية عمل. واليوم الذي تُحاسَب فيه المبادئ على وزن المصالح، سيكون هؤلاء أغنى الناس.

ثالثا: صانع المحتوى الحقيقي

وسط هذا الضجيج، يوجد أيضا صانع محتوى حقيقي. لا يقيس نجاحه بعدد الصدمات التي أحدثها، بل بعدد الأفكار التي أوصلها. يصنع معرفة، أو تحليلا، أو ابتسامة محترمة، أو نقاشا مفيدا.

هذا يدرك أن الكاميرا ليست لعبة، وأن التأثير مسؤولية، قبل أن يكون شهرة. يعرف أن وراء كل شاشة عقولا تتأثر، وشبابا يقلدون، وأطفالا يصدقون ما يرونه.

ولذلك يحسب كلماته قبل نشرها، لأن المتابعين ليسوا مجرد أرقام في لوحة الإحصائيات.

رابعا: صانع الحفرة

أما أخطر الأصناف فهو صانع الحفرة.

هذا لا يصنع محتوى، بل يصنع أزمات. كلما انخفض مستوى الخطاب، ارتفعت عنده المشاهدات. وكلما اشتعل الجدل قال: “لقد نجحت”.

يحوّل الإهانة إلى “ترند”، والإشاعة إلى “سبق”، والاستفزاز إلى مشروع تجاري. ثم عندما يصطدم بالقانون، يتذكر فجأة حرية التعبير، وكأن الحرية تعني غياب المسؤولية.

والحقيقة أن الفرق كبير بين من يحفر طريقا للناس، ومن يحفر حفرة، ثم يشتكي عندما يسقط فيها.

حرية التعبير أم فوضى التعبير؟

لا أحد ينكر أن حرية التعبير حق أساسي، لكن الحق لا يتحول إلى رخصة للإساءة أو التشهير أو نشر كل شيء دون ضوابط. وفي المقابل، لا ينبغي أيضا أن تتحول مواقع التواصل إلى محاكم شعبية، تصدر الأحكام قبل المؤسسات المختصة.

القانون يجب أن يطبق على الجميع، لا على الضعيف فقط، ولا على المشهور فقط. والشهرة ليست حصانة، كما أن الخطأ لا يصبح صوابا لأن صاحبه يملك ملايين المتابعين.

الخلاصة الساخرة

في النهاية، يبدو أن المنصات الرقمية، أصبحت تشبه سوقا ضخما:

  • فيه من يصنع فكرة.
  • وفيه من يصنع ضجة.
  • وفيه من يصنع محتوى.
  • وفيه من يصنع حفرة.
  • وفيه فرقة كاملة للتطبيل والتزمير، جاهزة للعزف في كل الاتجاهات.

لكن يبقى السؤال الحقيقي: عندما تنطفئ الكاميرات، ويهدأ “الترند”، من الذي سيبقى؟ صاحب الفكرة… أم صاحب الحفرة؟

غالبا، التاريخ يتذكر من بنى شيئا، لا من أحدث ضجيجا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.