
ضربة قلم
في كل مرة يعتقد المغاربة أنهم بلغوا سقف المفاجآت، تأتي الحكومة، لتؤكد لهم أن السقف نفسه، لم يعد موجوداً أصلاً.
لن نسقف أسعار المحروقات.
لن نعيد فتح شركة “سامير”.
لن نصلح نظام التقاعد بالشكل الذي يطمئن الأجيال المقبلة.
أما إصلاح التعليم، فهو ذلك المشروع الأبدي الذي يشبه مسلسلًا لا تنتهي حلقاته أبداً، إذ يتغير الوزراء وتتغير الحكومات وتتغير الشعارات، ويبقى التلميذ المغربي، هو الفأر الدائم داخل مختبر التجارب الوطنية.
وبلغة بسيطة، يبدو أن الرسالة الموجهة إلى الشعب أصبحت واضحة للغاية: “دبروا رؤوسكم… وإذا عطشتم فاشربوا البحر.”
ففي الوقت الذي تنتظر فيه الأسر المغربية، قرارات تخفف من وطأة الغلاء، تجد نفسها أمام قرارات، تزداد ثقلاً يوماً بعد يوم، بينما يتبارى المسؤولون في إنتاج البلاغات والتبريرات، وكأن المواطن يعيش على البيانات الصحفية، لا على الخبز والزيت والكهرباء.
أما قصة إصلاح التعليم، فهي تحفة وطنية، تستحق أن تُدرَّس للأجيال القادمة.
منذ عقود، والمغاربة يسمعون العبارة نفسها: “إصلاح المنظومة التعليمية أولوية وطنية.”
حتى أصبحت كلمة “إصلاح” نفسها تحتاج إلى إصلاح عاجل.
أجيال كاملة، دخلت المدرسة وهي تسمع عن الإصلاح، وخرجت منها وهي تسمع عن الإصلاح، ثم أصبح أفرادها آباء وأمهات يعيدون سماع الأسطوانة نفسها مع أبنائهم.
حتى كاد البعض يعتقد أن المقصود بإصلاح التعليم، هو إصلاح المواطن حتى يعتاد على عدم إصلاح التعليم.
كل حكومة تأتي بحقيبة مليئة بالمصطلحات الجديدة.
مرة: مدرسة الريادة.
ومرة: خارطة الطريق.
ومرة: النموذج التنموي.
ومرة: الرقمنة.
ومرة: الجودة.
ومرة: الحكامة.
لكن النتيجة على الأرض، تجعل المواطن يتساءل: هل نحن أمام مشروع إصلاح، أم أمام معرض سنوي لتبديل أسماء الملفات؟
المدرس يئن.
والتلميذ يتخبط.
والأسرة تستنزف مالياً ونفسياً.
والجامعة تصارع تحدياتها.
ثم يخرج مسؤول، ليعلن بكل ثقة أن “الإصلاح يسير في الطريق الصحيح”، دون أن يحدد للمغاربة، أين يوجد ذلك الطريق أصلاً.
أما ملف التقاعد، فقد تحول إلى قنبلة مؤجلة، يضعها كل فريق سياسي، فوق مكتب الفريق الذي سيأتي بعده.
الجميع يعلم أن المشكلة قائمة، والجميع يعلم أن الحلول مؤلمة، لكن الجميع أيضاً، يفضل ترحيلها إلى حين، وكأن الزمن وحده قادر على إصلاح صناديق، أنهكها سوء التدبير والحسابات الضيقة.
وفي ملف المحروقات، أصبح المواطن المغربي خبيراً عالمياً، في متابعة أسعار النفط، دون أن يستفيد من ذلك في شيء.
إذا ارتفع سعر النفط عالمياً، ترتفع الأسعار بسرعة البرق.
وإذا انخفض عالمياً، تدخل الأسعار في عطلة طويلة الأمد.
أما “سامير”، فقد تحولت من منشأة صناعية، إلى شبح سياسي، يظهر كلما اشتدت الأزمة، ثم يختفي بمجرد انتهاء الجدل.
والأكثر إثارة للسخرية أن المواطن، لم يعد يطالب بالمستحيل.
لا يريد قصوراً ولا أحلاماً وردية.
إنه يريد فقط، أن يشعر بأن هناك دولة تفكر فيه، قبل أن تفكر في لغة الأرقام الباردة.
يريد مدرسة تمنح أبناءه أملاً حقيقياً.
ويريد تقاعداً يحفظ كرامة العامل بعد عقود من العمل.
ويريد أسعاراً لا تلتهم راتبه قبل منتصف الشهر.
ويريد قرارات واضحة لا تحتاج إلى عشرات البلاغات لتفسيرها.
لكن يبدو أن بعض المسؤولين، ما زالوا يعتقدون أن المواطن يمتلك قدرة خارقة على التكيف مع كل شيء، حتى أصبح المطلوب منه أن يؤدي دور الخبير الاقتصادي، والمربي، والمخطط المالي، والخبير الطاقي، والمتقاعد المستقبلي، في الوقت نفسه.
وفي النهاية، قد لا يكون الشعار الرسمي المكتوب موجوداً على الورق، لكنه أصبح يتردد في أذهان كثير من المغاربة على سبيل السخرية المريرة:
“لن نسقف الأسعار، لن نفتح سامير، لن ننهي جدل التقاعد، وسنواصل إصلاح التعليم إلى أجل غير مسمى… وإذا عطشتم، فالبحر أمامكم.”
لكن ما يغيب عن البعض هو أن الشعوب، قد تصبر كثيراً، غير أنها لا تنسى. ولعل أكبر خطأ ترتكبه بعض الحكومات، هو اعتقادها أن ذاكرة المواطنين قصيرة، وأن البلاغات المنمقة والتصريحات المتفائلة، قادرة على محو سنوات من التراكمات الثقيلة. والحال أن صندوق الاقتراع الذي لا يتذكره بعض السياسيين، إلا كل خمس سنوات، هو نفسه الصندوق الذي يستعيد فيه المواطن دفعة واحدة كل الملفات المؤجلة والوعود المؤجلة والإصلاحات المؤجلة.
يومها، لن يتذكر المغربي فقط أسعار المحروقات التي التهمت قدرته الشرائية، بل سيتذكر أيضاً قصة “سامير” التي بقيت حبيسة الجدل السياسي، وسيتذكر نظام التقاعد الذي ظل قنبلة موقوتة، تتقاذفها الحكومات الواحدة تلو الأخرى، وسيتذكر مدرسة، قيل عنها ألف مرة، إنها في قلب الإصلاح، بينما بقيت في قلب المعاناة.
يومها، لن تنفع البلاغات المزخرفة، ولن تنفع الكلمات الرنانة من قبيل “الحكامة”، و”خارطة الطريق”، و”النموذج الجديد”، و”الرؤية الاستراتيجية”، لأن المواطن لا يصوت للقواميس السياسية، بل يصوت على ما عاشه في حياته اليومية.
لقد أدرك المغاربة منذ زمن، أن هناك فرقاً شاسعاً بين حكومة، تتحدث عن الإصلاح، وحكومة تُشعر الناس، بأن الإصلاح قد بدأ فعلاً. فالمواطن لا يريد أن يسمع كل سنة أن التعليم ورش مفتوح، وهو يرى أبناءه ينتقلون من تجربة إلى أخرى، ولا يريد أن يُطلب منه الصبر على غلاء الأسعار، بينما تتحول القدرة الشرائية إلى ذكرى جميلة من الماضي.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض المسؤولين، يتصرفون وكأن الشعب يمتلك زر “إعادة ضبط الذاكرة”، يكفي الضغط عليه قبل الانتخابات بأسابيع قليلة، حتى تختفي سنوات من التذمر والاحتقان والمعاناة اليومية. لكن الواقع مختلف تماماً، لأن المواطن قد يغفر أحياناً، لكنه نادراً ما ينسى.
وفي نهاية المطاف، قد ينجح الخطاب السياسي في تلميع الصورة لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع، أن يمحو أثر فاتورة الوقود المرتفعة، ولا ثقل القروض، ولا قلق الآباء على مستقبل أبنائهم، ولا خوف الموظفين والعمال على تقاعدهم. فهذه كلها أوراق يحتفظ بها المواطن داخل صندوق ذاكرته، وعندما يحين موعد صندوق الاقتراع، يفتحهما معاً في اللحظة نفسها.
لذلك، ربما آن الأوان ليدرك الجميع، أن الشعوب لا تشرب البحر، بل تشرب الصبر، والصبر مهما طال، ليس مورداً لا ينضب.




