الخبز المدعّم والبطالة غير المدعومة: قصة عشق في مملكة المفارقات

ضربة قلم
في بلدٍ يجيد فنَّ التناقض كما تجيد الفرناتشي تقليب العجين، تطلُّ علينا كل صباح ملحمةُ “الخبز المدعّم” جنبًا إلى جنب مع “البطالة غير المدعومة” في قصة حبّ عجيبة لا يفكّ طلاسمها إلا من قرأ دفتر الحالة الاقتصادية للمملكة وهو مبلول بعرق الانتظار ودموع اليائسين.
فالخبز، هذا الكائن العجائبي المسكين، لا يزال يُباع بدرهم وعشرين، درهم وخمسين، أو حتى بدرهمٍ واحدٍ إن كان مُجففًا ومكسور الجناح، وذلك باسم الدعم السامي لحياة المواطن البسيط. لكن ما لا يعرفه المواطن – أو يعرفه ويتجاهله بحكم التكرار – أن كل درهم من هذا الدعم يحمل على ظهره حمولة شاحنات من التضليل الغذائي، وكمية لا بأس بها من الهواء داخل العجين، كأن الخبزة انتفخت من شدة الغضب على الأوضاع.
أما البطالة، فهي لا تحتاج إلى دعم، بل صارت تدعم نفسها بنفسها، تنمو تلقائيًا مثل الأعشاب البرية في أطراف المدن، وتتمدد في القرى كما تتمدد بقع الرطوبة على جدران المدارس المغلقة. البطالة اليوم لا تبحث عن حل، بل تبحث عن جمهورٍ يصفق لها في نشرات الأخبار الرسمية، تلك التي تفضل الحديث عن الطماطم في مرجان بدل الحديث عن آلاف الشهادات الجامعية التي انتهت إلى بائع فولٍ أو حارس عمارة.
تخيلوا معنا هذا المشهد السريالي: شاب عاطل، يستفيق صباحًا بعد أن أنهكه التفكير في وظيفة لا يملك فيها “معارف”، فيتوجه إلى بائعة الخبز ليشتري خبزًا مدعّما بدرهم واحد. يقف في الصف، ينظر إلى العجين داخل الفرن، ثم يتمتم في سرّه: “الحمد لله على الخبز المدعّم… أما أنا، فغير مدعوم حتى بالاحترام”. وحين تسأله البائعة: “شحال؟”، يجيبها: “درهم ديال الخبز، وساعة ديال الشكوى لو سمحت”.
وإذا ما استرسلنا أكثر في القصة، سنجد أن هذا الزواج الإجباري بين الخبز المدعّم والبطالة غير المدعومة، ينتج لنا جيلاً من الشباب المؤمن بمثل عليا من نوع:
- “الشغل في المغرب كيجي غير بالمعارف أو المعجزات”،
- “الدولة كتدعم الخبز باش نسكتو، ماشي باش نشبعو”،
- “بغيت نخدم، ولكن الدعم داكشي كامل مشى للبوطاغاز”.
أما الدولة، فدائمًا ما تلعب دور العريس المتردد في الدخول على العروس، تصدر بيانات بلغة خشبية من النوع الذي يُستخدم في إشعال الفرن، وتُعلن في قنواتها الرسمية عن “برامج ضخمة لدعم الشغل”، وهي نفسها البرامج التي تعجز عن تشغيل من صمّمها.
ولأننا في مملكة المفارقات، فليس غريبًا أن ترى الخبز مدعّمًا أكثر من الشباب، والبوطاغاز أرخص من البنزين، والتعليم مجانيًا في النصوص فقط، والصحة مكفولة لمن لا يحتاجها.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل سيستمر الخبز في دعمه العاطفي للبطالة؟
أم ستثور البطالة في وجه هذا الزواج المهين وتطالب بدعم يليق بكرامتها؟
الجواب – كالعادة – في طابور طويل أمام صندوق الاقتراع أو المخبزة… أو لا يأتي أبدًا.




