الخبيث… والطيب… ومسرحية الأدوار المستحيلة

ضربة قلم
مهما حاول الخبيث أن يرتدي عباءة الطيبة، سيظل الأمر بالنسبة له كارتداء بدلة رسمية على قلب مليء بالصدأ. قد يضع عطراً فاخراً يخفي رائحة نواياه، ويبتسم ابتسامة مدروسة أمام الكاميرات، وربما يوزع كلمات مثل ”المصلحة العامة” بسخاء، لكن الحكاية تظل واضحة لمن يقرأ ما بين سطور الوجه قبل سطور الخطاب.
الخبيث، يا سادة، كالممثل الرديء الذي يحاول لعب دور الراهب، لكنه ينسى بين المشاهد أن يخفي هاتفه المحمول المليء برسائل الصفقات. تراه يضع يده على صدره وكأنه يحلف بالبراءة، لكن يده الأخرى غائصة في جيبك تبحث عن آخر ما تبقى من نقودك.
وقد تقول: “لكن الخبيث قد يتغير، أليس كذلك؟”
أجيبك: هذا مثل أن تقول إن القط قد يتوقف عن أكل السمك ويصبح نباتيًا… قد يتظاهر للحظة، لكنه في أول غفلة عن المائدة، سيقفز مباشرة إلى الطبق الدسم.
والأجمل – أو لنقل، الأكثر كوميدية – هو أن الخبيث عندما يحصل على منصب محترم: مدير، برلماني، وزير، أو حتى “مستشار استراتيجي في شؤون التظاهر بالبراءة”؛ يظن أن الكرسي سيخفي ماضيه ويعيد تشكيل صورته. لكنه ينسى أن الكرسي، مهما كان فخمًا، مجرد قطعة خشب أو معدن… لا يصنع أخلاقًا ولا يغسل ذنوبًا.
في المقابل، الطيب… آه، الطيب، ذلك الكائن العجيب الذي قد يظنونه ساذجًا أو غريب الأطوار. قد يجتمع العالم كله ليكتب في سجله: “خبيث، ماكر، انتهازي”، لكنه سيظل يمشي بخطى هادئة، ويبتسم ابتسامة صافية، وكأن تلك الاتهامات مجرد غبار على زجاج لا يحجب الضوء. الطيب لا يحتاج لشهادة حسن سيرة من أحد، لأن سيرته مكتوبة في وجوه من عرفوه، وفي ارتياح الأطفال والحيوانات عندما يقترب منهم.
الفرق بين الاثنين يشبه الفرق بين الزهرة والبلاستيك: من بعيد قد يخدعك اللون والشكل، لكن عندما تقترب، إما أن تشم عبير الحياة أو رائحة… اللاشيء.
الخبيث حين يتحدث عن “الإصلاح” يفكر في كيف سيصلح وضعه المالي. حين يقول “المصلحة العامة” يقصد مصلحته الخاصة مع بعض “الملاحق”. حين يتحدث عن “خدمة الوطن” يتخيل خدمًا في بيته الكبير. بينما الطيب، حين يقول “خدمة الوطن”، يقصد فعلًا ذلك الشيء الغامض الذي يجعلك تفعل خيرًا دون أن تنتظر تصفيقًا.
ولذلك، لا تحاول أن تحكم على الناس من ألقابهم أو مناصبهم أو حتى من كمية صورهم على وسائل التواصل. بعض أخبث الخبثاء يلتقط صورًا وهو يزرع شجرة، ثم يقطع غابة بأكملها في الخفاء. وبعض أطيب الطيبين قد لا يملك صورة واحدة، لكنه يزرع الخير بصمت، دون أن يوثق ذلك إلا في ذاكرة من ساعدهم.
في النهاية، الخبيث سيبقى خبيثًا، حتى لو كتب قصيدة عن الحب والسلام وألقاها أمام الأمم المتحدة. والطيب سيبقى طيبًا، حتى لو كتبت عنه الصحف أنه أخبث أهل الأرض. لأن المعدن الحقيقي، يا صديقي، لا يغيره الطلاء المؤقت.




