الدار البيضاء تضع أحمر الشفاه… ودمها يغلي تحت البلاط

ضربة قلم
المدينة تلمع.
تتزين كما تتزين عروسٌ في زفافٍ لا تحضره السعادة. نيونات لامعة، واجهات زجاجية، لافتات ثلاثية الأبعاد، شاشات تضيء الليل أكثر مما تضيء العقول. المارة يلتقطون صورًا أمام نافورة مضيئة، بينما في الطابق السفلي للعمارة المجاورة، أمٌ تحاول إقناع ابنها أن قطعة الخبز اليابسة تصلح للعشاء إن أضفنا لها القليل من الدعاء.
المدينة… آه، المدينة، تلك المسرحية الكبرى التي نعيش فيها كومبارسًا بلا نص. من بعيد تبدو كأنها باريس بنكهة الكسكس، لكن حين تقترب، تفهم أنها مجرد طاولة تجميل فوق جرحٍ لم يلتئم.
زخرفةٌ من الخارج، جحيمٌ من الداخل.
مباني تُشيَّد كل صباح، وآمال تُهدم كل مساء. أرصفة تزدحم بالخطوات، لا لشيء إلا لأن الناس لا تملك سيارات، ولا أمل في الطرامواي، ولا قدرة على الانتظار في محطات الحافلات التي تبدو كأنها محطات وداع.
الشوارع ممتلئة، لكن ليس بالحياة… بل بالملل، والبطالة، والصراخ المختنق.
في كل زاوية، مقهى. وفي كل مقهى، رجلٌ يحدق في كأس شاي كأنها بلورة سحرية ستمنحه جوابًا عن مصيره.
في كل حافلة، امرأةٌ تحتضن حقيبةً فارغة إلا من التعب.
في كل زقاق، طفلٌ يجري خلف كرةٍ مثقوبة، لأنه لا يجري خلف شيء آخر.
وفي كل حي شعبي، شابٌ يتكئ على جدارٍ مائل، يتصفح الهاتف، كما لو كان يتصفح قبر أحلامه.
المدينة تحترق، نعم، لكن بلا لهب.
الحرائق فيها صامتة.
بطالة تخنق. أسعار تلسع. أمنيات تتبخر.
الأبواب مغلقة، والنوافذ تُفتح فقط ليدخل الهواء… لا ليدخل الأمل.
من يملك المال، ينام على الأسطح المزخرفة، ويطل من نوافذ الفنادق على البحر…
أما من لا يملك، فينام في علب إسمنتية، يشرب من صنبور مالح، ويغسل قلبه كل صباح كي يبدأ نهارًا جديدًا دون أن ينفجر.
المدينة تضحك في وجه السياح، وتكشر في وجه أهلها.
المدينة تغني في الإعلانات، وتئن في الأزقة.
تتزين للمهرجانات، وتنسى أن سكانها بلا مهرجان منذ زمان.
وفي المساء، حين تهدأ الزحمة قليلًا، تسمع تنهيدة خفيفة تأتي من عمق المدينة…
كأنها تقول لك: “أنا بخير… فقط احترق ببطء، لا أحد يلاحظ، ولا أحد يريد أن يطفئني.”
المدينة لا تحتاج رجال إطفاء.
هي تحتاج من يراها، من يسمعها، من يزيل مساحيقها، لنعرف كم هي حزينة تحت كل تلك الأضواء.
نعم، هي مدينة، لكن نصفها وهم، والنصف الآخر… دخان.




