الدار البيضاء تُنظّف للضيوف… وتكنس أهلها!

ضربة قلم
في زمن أصبح فيه “كأس العالم” لا يرمز فقط للفرجة والفرح، بل أيضاً للفراغ من السكان، ها نحن نعيش المشهد المغربي الخاص: التحضير لحدث عالمي بطرد الأسر المحلية، كما يُكنَس الغبار من سجادة رسمية. لا إشهار، لا إعلام، لا تفسير، فقط شاحنة بيضاء، عون سلطة يرتدي الابتسامة الباردة، وصوت صارم يردد: “جمعو راسكم، غادي نهدمو”.
في الدار البيضاء، المدينة التي أرادت أن تكون واجهة المغرب العصري، لم تعد الأحياء الشعبية جزءاً من الديكور، بل شوائب يجب تنقيتها قبل أن تحل عدسة FIFA. الأحياء التي أنجبت أجيالاً من العمّال، من الحرفيين، من باعة النعناع ومربي الحمام، تتحوّل فجأة إلى عار بصري، لا يليق بنقل المباراة بتقنية 8K.
الأسر تُرحَّل وكأنها صناديق كرتونية تُبعد مؤقتًا لتصلح الصورة. لا ندري إلى أين يذهبون، ولا كيف سيعيشون. البعض يقال له: “غادي تستافدو من تعويض”، لكن لا أحد يوقّع، ولا أحد يرى “الريال”، فقط الوعود تتطاير في الهواء كما تتطاير أوراق الأشجار حين يمر موكب رسمي.
الجدّة التي كانت تجلس على كرسي بلاستيكي تراقب الشارع كل مساء، صارت تسأل: “فين غنمشي؟ راه وليت كنعرف غير هاد الزنقة”. والأب الذي بنى غرفة فوق السطح بعرق الجبين، يضحك ساخرًا: “بنينا حياتنا على السطح، وهما هدموها من الجذور”.
كأس العالم، الذي يُفترض أنه رمز للتلاقي والاحتفال، صار عندنا رمزًا للهدم والترحيل. FIFA في نسختها المغربية، تدخل بلا استئذان، تزيل العشوائيات بجرّة مقاولة، وتزرع مكانها مواقف سيارات فاخرة أو نُصُباً تذكارية ترضي السائح وتهين الذاكرة.
وما أروع تلك المفارقة: الدولة التي تشتكي من الاكتظاظ العمراني والعشوائيات، تقوم بترحيل الناس ثم تتساءل بدهشة: “علاش الناس كيديرو البناء العشوائي؟”. الجواب بسيط: لأن كل ما هو قانوني يُهدم… باسم التجميل!
في الخلفية، نسمع صوت معلق رياضي متحمّس: “المغرب يتأهل من جديد لاستضافة التاريخ!”، ولا أحد يخبره أن التاريخ يمرّ فوق جثث أحلام الفقراء، فوق ذكريات الطفولة، فوق شقوق الجدران التي كانت تضحك حين تُمطر السماء، لا حين تتدخل السلطة.
لا أحد يرفض تطوير البلاد، لكن التطوير لا يجب أن يمر على جثة العدالة الاجتماعية. نريد كأس العالم، نعم، لكن لا نريده على حساب الجدّة التي لم تعرف غير بيتها، ولا على حساب الطفل الذي سيكتشف فجأة أن عنوانه الجديد هو “اللامكان”.
في الختام، كأس العالم عندنا أشبه بكأس فارغة، نملأها بالتضحيات ونقدمها للعالم مزينة بورود بلا رائحة. نزيّن الأرصفة وننسى الأرواح. نرتب المداخل ونطرد أصحاب المفاتيح. نريد التصفيق العالمي، حتى لو صاحبه بكاء صامت في زقاق منسي… لم يعد له رقم ولا اسم.




