مجتمع

الدار البيضاء ماشي محتاجة خروف… شوية لحم والنية والباقي مشوي!

ضربة قلم

خلال عطلة عيد الأضحى، تتحول الدار البيضاء – المدينة الغول، المدينة التي لا تنام، المدينة التي تستفيق على أصوات الكلاكسونات وتنام على زعيق الدراجات النارية – إلى شيء أقرب إلى مشهد من فيلم عن نهاية العالم… ولكن بطابع مغربي صرف، بنكهة النعناع المحروق والكبدة مشوية على فحم قديم.

في ظرف الأضحى ساعات قليلة، تختفي السيارات، تتبخر الطوابير، وتتنفس الأرصفة الصعداء لأول مرة منذ شهور. “كازا” تصبح كأنها خضعت لعملية تجميل اجتماعية، بدون صراخ “الترام”، وبدون ركض الأطفال وراء الكلاب المشردة في ساحة السراغنة، ولا حتى مشادات السائقين عند مخرج عين الشق.

العاصمة الاقتصادية… بدون اقتصاد!

عدد لا يستهان به من سكان المدينة يقررون في لحظة وجدانية عالية – بعد سماعهم أغنية شعبية حزينة في السوق – أن وقت العودة إلى “أرض الجدود” قد حان. فيحزمون حقائبهم، وأحيانًا المراتب، ويشحنون أطفالهم في “ترانزيتات” مليئة حتى السقف، وينطلقون إلى مساقط رؤوسهم وكأنهم مهاجرون موسميون في فيلم وثائقي من إنتاج القناة الثانية.

وهكذا، تتحول كازا إلى ما يشبه حانة أغلقت أبوابها فجأة بعد موسم من الضجيج. لا طوابير أمام المقاهي، لا نقاشات حادة بين الباعة والزملاء في شارع 2 مارس، ولا حتى ذاك الكائن الأسطوري المعروف بـ «مول الزنقة” الذي يدخن وهو يراقب المارة كما لو كان مكلفًا بأمن الحي!

الحرفيون… نوع من الكائنات المنقرضة مؤقتًا!

ومع اقتراب العيد، تبدأ المدينة تدخل مرحلة الجدية الوجودية، أو بالأحرى “أزمة الحرفة”. تحتاج لإصلاح شيء بسيط في بيتك؟ صنبور ينزف؟ قفل تمرد؟ نسيت تصليح باب المطبخ؟ انسَ الأمر يا صديقي!

البناؤون، الكهربائيون، وحتى أولئك الذين يدّعون أنهم “تقنيون في الصباغة” – كلهم يختفون من المدينة كما تختفي المراعي من دواوير الأطلس. تجد نفسك تتمنى لو أنك تعلمت قليلاً من النجارة بدل أن تحفظ أغاني الشاب حسني.

من المستحيلات السبع خلال هذه الأيام، أن تجد حرفيًا واحدًا مستعدًا أن يعمل حتى لو قدمت له حبة رأس الخروف كمقدم أجرة!

العيد بدون خروف… ولكن مع الشواء!

ورغم أن هذه السنة لا تشبه سابقاتها، ورغم أن المغاربة قرروا الاستجابة لنداء صاحب الجلالة – لأسباب لم تعد خافية: بين جفاف الجيوب وغلاء الأضاحي ونضوب الثقة في “الكسابة” – إلا أن المغاربة لديهم قدرة خارقة على تحويل الرماد إلى مشاوي.

في غياب الخرفان، يظهر الخيال الشعبي في أبهى حلله. “الميمونة” تقرر أن تعمل طاجين بالكفتة في شكل خروف، والبعض الآخر يقسم بأغلظ الأيمان أن الشواء لا يحتاج بالضرورة إلى خروف كامل، إذ يكفي قليلاً من الكتف “عند الجزار” وشيء من الدعاء.

ستجد الشوايات تشتعل في الأحياء كما لو أن البلاد تحتفل بانتصار منتخب وطني، وسترتفع رائحة اللحم المتبل بعرق اليد العاملة من فوق الأسطح وفي “الكراجات”، ويختلط صوت المذياع الذي يبث خطبة العيد بأغاني “سعيد الصنهاجي”.

كازا… مدينة بألف وجه ووجه

العطلة تعري وجهًا آخر من كازا. مدينة خفيفة، لطيفة، ذات نبض بطيء يشبه تنفس شيخ مرتاح في ظلال نخلة. بعض الأحياء الشعبية تتحول إلى ما يشبه القرى: أولاد الحومة يتبادلون الأطباق، والأرصفة تصبح ساحات للمشاوي والتذوق والنقاش السياسي العقيم.

أما في الأحياء الراقية، فيبدو العيد أشبه بيوم سبت طويل، حيث يتحول البعض من سكان الفيلات إلى خبراء في تحضير “القطبان، رغم أنهم طيلة السنة لا يعرفون الفرق بين الفحم والفشار.

باختصار، الدار البيضاء في عيد الأضحى تتحول إلى مدينة أخرى: صافية، خفيفة، ساخرة من نفسها ومن سكانها، تلبس جلباب التواضع وتنسى لبضعة أيام أنها كانت، قبل أسبوع فقط، مدينة تسابق الزمن وتحارب الأعصاب.
والأهم؟ الدار البيضاء لا تحتاج إلى خروف كي تحتفل. يكفيها بعض الفحم، شوية لحم، وقليل من النية. والباقي… كلو مشوي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.