الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

الدار البيضاء: من الثقة إلى الفخ: النصب يضرب موظفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ويفرض تحسيسًا عاجلًا للمحققين

ضربة قلم

على ضوء سلسلة من الشكايات المتشابهة، لا تبدو هذه القضية مجرد حادثة نصب عابرة، بل أقرب إلى نموذج مصغّر لاقتصاد موازٍ قائم على الخداع المنهجي، حيث لا تُبنى الثقة لذاتها، بل تُصاغ كما تُصاغ العقود… لتُستعمل في النهاية كطُعم.

فما تكشفه المعطيات الأولية يتجاوز بكثير واقعة بيع مشبوهة أو شيك بلا رصيد، ليدخل في نطاق أسلوب احتيالي متكرر، يعتمد على استثمار العلاقات، وتوظيف القرب، وبناء مصداقية وهمية، تُسقط الضحايا واحدًا تلو الآخر. هنا، لا يتم اصطياد الضحية بالحظ، بل عبر مسار مدروس يبدأ بالتعارف وينتهي بالتوريط.

الأدهى والأمر كذلك، أن تعدد الشكايات وتشابه السيناريوهات، يطرح فرضية وجود نمط منظم، لا يكتفي بالاستفادة من ثغرات المعاملات، بل يتغذى أيضًا على ثغرات الثقة، داخل محيطات يُفترض فيها الحد الأدنى من الحذر.

المعطيات الجديدة تضيف طبقة أكثر خطورة على هذا الملف، إذ تشير مصادر متطابقة إلى أن الضحايا ينتمون إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، حول طبيعة الاستهداف: هل هو صدفة؟ أم أن هناك من كان يفتح الأبواب من الداخل دون أن يترك أثرًا واضحًا؟

الأخطر، بحسب نفس المعطيات، أن أصابع الاتهام بدأت تتجه نحو سائق أحد المديرين بالمديرية العامة، لنفس المؤسسة، يُشتبه في كونه حلقة وصل غير مباشرة بين النصابة وبعض الضحايا، من خلال تسهيل التعارف أو تمرير “توصيات” تُضفي نوعًا من المصداقية الزائفة على المعاملات. هنا، لم يعد الأمر، مجرد نصب تقليدي، بل شبكة علاقات رمادية، يتحول فيها القرب من مراكز القرار إلى رأسمال، يُستغل في استدراج الضحايا.

القصة، كما تعكسها الشكايات المرفقة، لا تتعلق بعملية بيع عادية لسيارة، بل بسيناريو مُحكم، يبدأ بإقناع هادئ ووعود مغرية وحديث سلس، تُبنى خلاله الثقة بسرعة لافتة، قبل أن يجد الضحية نفسه أمام واقع صادم: شيك بلا رصيد، أو التزام مالي غامض، يتحول من “صفقة” إلى ورطة قانونية ومالية معقدة.

ثم تأتي اللحظة الحاسمة: حين تُغلق كل المراوغات أمام المتهمة بالنصب، تُسلَّم الضحية شيكًا بنكيًا على أساس استرجاع الأموال موضوع العملية. غير أن المفاجأة تكون مضاعفة، إذ يكتشف الضحية أنه لم يقع ضحية جريمة واحدة، بل جريمتين: الأولى تتعلق بالنصب، والثانية بتسليمه شيكًا بدون مؤونة. وهكذا، يتحول الأمل في استرجاع المال، إلى ورطة قانونية جديدة، تُعقّد وضعية الضحية، بدل أن تُنهي معاناته.

وتُشير المعطيات إلى أن المعنية بالأمر  (ن.س)، لم تكن حالة معزولة، بل جزء من نمط متكرر، يقوم على عرض سيارات للبيع، غالبًا في محيط سكنها بمنطقة سيدي معروف، مع تقديم صورة “احترافية” توحي بالمصداقية، وتُسقط الحذر الأولي لدى الضحايا. وهكذا، لم يعد الأمر مجرد إعلان عابر، بل أسلوبًا قائمًا على الإقناع النفسي التدريجي، حيث يُستدرج الضحية خطوة خطوة نحو التزام مالي، دون ضمانات حقيقية.

الأخطر من ذلك، أن تعدد الشكايات وتشابه السيناريوهات، يطرح فرضية وجود ضحايا آخرين، سلكوا نفس المسار وانتهوا بالمصير ذاته، ما يفتح أسئلة أوسع، حول سرعة انتشار هذا الأسلوب، وقدرته على التغلغل داخل الحياة اليومية، في ظل جرأة لافتة تستمر معها نفس الرواية: “سيارات للبيع”، بنفس الطريقة، وكأن شيئًا لم يحدث. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بشبهة نصب، بل بمنظومة احتيال تستفيد من ثغرات الثقة، وضعف التثبت في بعض المعاملات.

في النهاية، تكشف هذه القضية عن خلل مزدوج: هشاشة بعض المعاملات التي تتم خارج الضوابط، مقابل قدرة بعض المحتالين على استغلال الحاجة والثقة في آن واحد. ومع تحول حلم بسيط كاقتناء سيارة إلى فخ متكرر، يصبح الملف أقرب إلى جرس إنذار اجتماعي، لا مجرد نزاع فردي.

ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: كم من ضحية أخرى يجب أن تظهر، حتى يتحول هذا الملف، من شكايات متفرقة إلى قضية تُواجه بالصرامة والسرعة اللازمتين؟

وما يزيد من غرابة الملف، أن المعنية بالأمر، رغم صدور مذكرة بحث وطنية في حقها، شوهدت مؤخرًا بمنطقة مولاي يعقوب، حيث واصلت – وفق نفس المصادر – وهي تتجول بعيدا عن أعين المحققين بالدار البيضاء، وكأنها في استراحة قصيرة قبل استئناف النشاط.

هذا المعطى يفتح الباب أمام سؤال أكثر إزعاجًا: هل نحن أمام بطء في التفاعل؟ أم أمام ثغرات تُستغل بذكاء من طرف محترفي الاحتيال؟ لأن استمرار نفس الأسلوب، بنفس الجرأة، يعني أن هناك خللًا ما في السلسلة، سواء على مستوى التتبع أو الردع.

القضية هنا لم تعد مجرد نزاع بين بائع ومشترٍ، بل تحولت إلى مرآة تعكس هشاشة بعض المعاملات اليومية، خاصة حين تختلط الثقة بالعلاقات، ويغيب الحد الأدنى من الضمانات القانونية. فحين يسقط موظفون، داخل مؤسسة عمومية في نفس الفخ، فإن الرسالة واضحة: لا أحد محصّن.

المؤلم في هذه الوقائع، ليس فقط حجم الخسائر المالية، بل ذلك الانهيار المفاجئ للثقة. الضحية لا يخسر ماله فقط، بل يخسر يقينه في أبسط المعاملات. يتحول حلم اقتناء سيارة – وهو أمر مشروع وبسيط- إلى تجربة قاسية، تترك أثرًا يتجاوز الحساب البنكي.

والأخطر من كل ذلك، أن هذا النوع من القضايا لا يعيش على الذكاء فقط، بل على الصمت أيضًا. كلما تأخرت المواجهة، وكلما بقيت الشكايات متفرقة، كلما اتسعت دائرة الضحايا.

في النهاية، نحن أمام ملف يستدعي أكثر من مجرد متابعة قضائية عادية. نحن أمام ضرورة لفتح تحقيق معمّق، لا يقتصر على الفاعل المباشر، بل يمتد إلى كل من، قد يكون ساهم، عن قصد أو عن غير قصد، في تسهيل هذه العمليات.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
كم من ضحية أخرى يجب أن تُضاف إلى القائمة، حتى يتحول هذا الملف من “قصة نصب” إلى قضية رأي عام تُعالج بالصرامة التي تستحقها؟ وهل يحتاج هذا النوع من القضايا، إلى مزيد من الوقت، حتى يلفت انتباه المحققين إلى خطورة نمط يتكرر بنفس السيناريو، وكأن الوقائع، لا تكفي وحدها لإثارة ما يلزم من يقظة وتحرك؟

ملاحظة: حظيرة السيارات التي كانت تُعرض للبيع من طرف المعنية بالأمر، والتي شكّلت فضاءً رئيسيًا لعرض وترويج تلك المركبات محل الشكايات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.