الدجاج في قفص الغلاء: حين يبيض اللوبي ذهباً والمستهلك يدفع الثمن

ضربة قلم
في زمن صار فيه المواطن يحسب خطواته قبل الدخول إلى السوق، تحوّل الدجاج -الذي كان ملاذ الفقراء ووجبة “الجيوب الخفيفة”- إلى سلعة ترفية يحسب لها الناس ألف حساب. بالأمس القريب كان الكيلوغرام في متناول الأسر البسيطة، واليوم صار يقترب من أسعار اللحوم الحمراء، وكأننا أمام سلعة نادرة أو كائن مهدد بالانقراض. السؤال المرير: كيف وصلنا إلى هذه المفارقة؟
لوبي يحرّك الخيوط من خلف الستار
القطاع لم يعد بريئاً كما كان يُصوَّر. خلف واجهات الأفرنة والمزارع تقف شبكة متحكمة أشبه بـ”لوبي” منسق، يعرف متى يرفع الأسعار وكيف يُحكم قبضته على السوق. فإذا ارتفع ثمن الأعلاف، كان المبرر جاهزاً. وإذا ضرب الحرُّ المزارع وأهلك الكتاكيت، فالتعويض يأتي من جيب المواطن. أما المناسبات والأعراس، فهي فرص ذهبية يقتنصها هؤلاء لتضخيم الأرباح وتبرير زيادات مفاجئة.
الأعلاف… كلمة السر
الحلقة الأقوى في سلسلة الغلاء هي الأعلاف. فحين ترتفع أسعار الذرة والصويا -المكوّن الأساسي للعلف- يقف المربّي الصغير عاجزاً، بينما يبتسم كبار الفاعلين الذين يملكون مصانع الأعلاف وشركات التفريخ. وهكذا يصبح السوق مهيكلاً على مقاسهم: من الكتكوت إلى طبق الشواء، كل شيء يمر عبر قنواتهم.
المواطن بين مطرقة الأسعار وسندان الوسطاء
ما يزيد الطين بلة أنّ مسار الدجاج من الضيعة إلى المائدة طويل ومليء بالوسطاء. كل حلقة تضيف هامش ربح، والنتيجة أن الفارق بين سعر الجملة وسعر البيع بالتقسيط قد يضاعف الثمن مرتين أو ثلاثاً. المواطن، الذي اعتاد أن يجد في الدجاج بديلاً عن اللحوم الحمراء، صار يشتكي أن “دجاج اليوم أغلى من كبش العيد”.
المواسم والحرّ… ذر للرماد في العيون
صحيح أنّ موجات الحر تؤثر في الإنتاج وترفع معدلات النفوق، وصحيح أنّ موسم الأعراس يزيد الطلب، لكن هذه الظواهر ليست جديدة. الجديد هو تحويلها إلى ذريعة ثابتة لفرض زيادات متكررة، وكأننا أمام وصفة جاهزة يخرجها اللوبي من درج مكتبه كلما سنحت الفرصة.
أين الحل؟
الحل لا يكمن في انتظار “رحمة” الكبار، بل في إصلاح حقيقي يضبط سلسلة الإنتاج والتوزيع:
-
شفافية الأسعار من العلف إلى المائدة، حتى يعرف المواطن أين تُهدر جيوبه.
-
دعم المربّي الصغير ليبقى فاعلاً قادراً على المنافسة بدل أن يصبح ضحية.
-
تنظيم قنوات التسويق للحد من جشع الوسطاء وتقليص الفوارق بين الضيعة والدكان.
-
إرادة سياسية جريئة تفتح الملفات وتضع الأصابع على مكامن الاحتكار والريع.
الخاتمة
الدجاج في المغرب لم يعد مجرد طعام يومي، بل مرآة تعكس خللاً عميقاً في سوق يغيب عنه التوازن وتتحكم فيه مصالح ضيقة. وبينما يواصل اللوبي بيض الذهب، يظل المستهلك يكتفي بالفتات، في انتظار أن ينكسر يوماً قفص الغلاء.




