الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الدرهم بريء حتى تثبت فقرك!

ضربة قلم

كثرة المال تكفّر، وقلّته تكفّر… عبارة تختصر مأساة الإنسان المعاصر، الذي وجد نفسه بين مطرقة الوفرة وسندان الحاجة، فلا الغِنى جعله طاهراً، ولا الفقر برّأه من الشبهات. المال، في مجتمعنا، لم يعد مجرد وسيلة، بل صار مقياساً خفيّاً للطهارة والدنس، ميزاناً مشوّهاً للأخلاق، يُوزَّع فيه الاحترام والتقدير بناءً على الرصيد البنكي، لا على القيم ولا على النوايا.

الغني، مهما فعل، تغفر له زلاته. وإن ارتكب خطأً فادحاً، تجد من يُؤوّله، يبرّره، يُزيّنه ويقول: “لا بأس، عنده الخير، كايخدم عباد الله، راه كيساهم فالتنمية”. تَذْكُر الناس سخاءه ولا يذكرون مصدر المال، حتى وإن كان مشبوهاً. تذكر عطاياه وتنسى أفعاله. يصبح المال في هذه الحالة تذكرة عبور نحو الصفح الجماعي، مغسلة للذنوب الاجتماعية، بل ومحرّكاً للسلطة الرمزية، حيث يُفرض الاحترام بالإكراه الناعم.

وفي المقابل، الفقير مهما كان نزيهاً، شريفاً، نظيف اليد واللسان، فإن فقره وحده كفيل بأن يثير الشكوك. فإذا تحدّث، قيل “كيدوي من الفاقة”، وإذا اعترض، قيل “الحسد هو لي دايه”، وإذا سكت، قيل “مسكين، حتى الصوت ماعندوش”. يصبح الفقير موضوعَ شفقة مشروطة، أو موضوعَ سخرية مقنّعة، لكنه نادراً ما يكون موضوعَ احترام حقيقي. وكأن قلة ذات اليد دليل نقص في الذكاء أو الجهد، لا نتيجة اختلالات بنيوية، أو ظلم اجتماعي مزمن.

وفي هذا المشهد المعقّد، تأتي تلك “الاستثناءات الضعيفة”، لتُشعل شمعة خافتة وسط هذا الظلام. نعم، هناك أغنياء أنقياء، وفقراء أنقياء، لكنهم نادرون، وغالباً ما يُنْظَر إليهم كغرائب، أو يُقابَلون بريبة. الغني الشريف يُشَكّ في نواياه: “آش بغا؟”، والفقير الشريف يُسْتَغْرَب أمره: “آش كيقلب؟”. فالمجتمع لم يعد معتاداً على القيم المجرّدة، بل صار أسيرَ تصنيفٍ سريعٍ مبنيّ على المظاهر. من يركب سيارة فارهة فهو محترم، ومن يرتدي حذاءً مثقوباً فهو مشكوك في أمره، مهما كان قلبه أبيضاً أو ضميره حياً.

كثرة المال تكفّر، حين تحوّل السارق إلى مستثمر، والمهرب إلى رجل أعمال، والمحتكر إلى فاعل اقتصادي. تكفّر لأن المجتمع يُصاب بعمى الألوان أمام البذخ، فيختلط عليه الأبيض والأسود، وتُمسَح الحدود بين المشروع والمشبوه. وتكفّر لأنه في زمن العطالة والخصاص، يصبح المال امتيازاً أخلاقياً بحد ذاته، لا مجرد وسيلة، بل هدفاً يعفي صاحبه من المساءلة، ومن الشرح، ومن النظر إليه كـ”إنسان عادي”.

وقلة المال أيضاً تكفّر، لأنها تضع صاحبها في خانة الاتهام الدائم: لماذا لم تنجح؟ لماذا لم تصبح مثلهم؟ ما الذي ينقصك؟ ويتم تحميل الفقير مسؤولية فقره، حتى وإن كان قد أُسقِط قهراً من منظومة الاقتصاد والتعليم والصحة والعدل. ولأن الفقر يجعل المرء ضعيفاً، فإنه يُنتقص من كرامته، ويُحمّل ظلماً لا ذنب له فيه، ويُطالَب بما لا طاقة له به.

في النهاية، نحن لا نعيش فقط أزمة أخلاق، بل أزمة مقاييس. مقاييسنا مائلة، مشوّهة، تقيس القيمة البشرية بالمحفظة، لا بالمبدأ، وتزن النوايا بالحساب البنكي، لا بالضمير. والضحايا كثر، من الجانبين: الأغنياء الذين سُجّلوا ظلماً في خانة المتّهمين، والفقراء الذين شُطبت إنسانيتهم من سجل الكرامة.

وفي زحمة هذا العبث، نُدرك أن الاستثناءات الضعيفة لا تكفي لتغيير الصورة، لكنها ضرورية حتى لا نفقد الأمل. هي بصيص النور الذي نتمسّك به، علّنا نصل يوماً إلى مجتمع لا تُقاس فيه القيم بعدد الأوراق، بل بثقل الكلمة، وصفاء اليد، ونظافة الطريق.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.