الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

الدستور في مواجهة الشائعات: لماذا لا يمكن أن يكون فؤاد علي الهمة رئيساً للحكومة؟

ضربة قلم

في الآونة الأخيرة، تحوّلت بعض المواقع والجرائد الإلكترونية إلى ما يشبه “غرف تعيين افتراضية”، تُوزَّع فيها المناصب العليا، كما تُوزَّع عناوين الأخبار العاجلة. ومن بين أكثر الفرضيات تداولاً، الحديث عن إمكانية تعيين فؤاد علي الهمة رئيساً للحكومة المقبلة، في قراءة تتجاوز أحياناً حدود التحليل السياسي إلى مساحة التخمين غير المؤطر.

لكن، بعيداً عن الإثارة الإعلامية، ماذا يقول المنطق الدستوري؟ وما الذي تسمح به القواعد السياسية المستقرة في البلاد؟

أولاً: من يعيّن رئيس الحكومة؟

الدستور المغربي لسنة 2011 واضح في هذا الباب: يُعيَّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. أي أن المدخل الطبيعي لرئاسة الحكومة هو صندوق الاقتراع، لا الأسماء المتداولة في المقالات ولا التوقعات المتسرعة.

هذا الإطار وحده كافٍ لاستبعاد كثير من الفرضيات، التي لا تستند إلى معطى انتخابي مباشر. فالمستشارون الملكيون، بحكم طبيعة مهامهم، ليسوا فاعلين انتخابيين ولا يقودون أحزاباً تتنافس على المقاعد البرلمانية. ومن ثم، فإن افتراض انتقال شخصية من موقع استشاري ملكي، إلى رئاسة حكومة حزبية، يطرح إشكالاً سياسياً ومؤسساتياً، حتى وإن كان ذلك ممكناً نظرياً في سياقات أخرى.

ثانياً: لماذا تبدو فرضية تعيين فؤاد علي الهمة ضعيفة؟

الحديث عن تعيين محمد علي الهمة رئيساً للحكومة يصطدم بعدة اعتبارات:

  • الاعتبار الدستوري: رئاسة الحكومة مرتبطة بنتائج الانتخابات التشريعية.

  • الاعتبار السياسي: الرجل يشغل موقعاً استشارياً ملكياً، وهو موقع بطبيعته فوق الاصطفافات الحزبية اليومية.

  • الاعتبار الرمزي: الانتقال من موقع استشاري إلى قيادة حكومة حزبية، قد يُقرأ كتحول في هندسة التوازنات السياسية، وهو أمر لا يتم عادةً بقراءة إعلامية، أو تسريبات غير مؤكدة.

وعليه، فإن ترويج هذه الفرضية، أقرب إلى الإثارة الإعلامية، منه إلى التحليل المؤسس.

ثالثاً: عن “الكاريزما” وقيادة الحكومة

في سياق آخر، يُطرح اسم محمد شوكي بوصفه زعيماً سياسياً يفتقر – في نظر بعض المتابعين – إلى كاريزما رئيس حكومة.

وهنا ينبغي التمييز بين:

  • الكاريزما الشخصية: الحضور الخطابي، القدرة على الإقناع، جاذبية الصورة.

  • القدرة التدبيرية والسياسية: إدارة التحالفات، التفاوض، ضبط الأغلبية، قراءة توازنات الدولة.

التجربة السياسية، تُظهر أن الكاريزما وحدها لا تصنع رئيس حكومة ناجحاً، كما أن غيابها لا يعني بالضرورة الفشل. غير أن رئاسة الحكومة في المغرب، تتطلب شخصية قادرة على الجمع، بين الحضور السياسي والقدرة على التواصل مع الرأي العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

رابعاً: هل يُستبعَد التجمع الوطني للأحرار من قيادة الحكومة؟

أما بخصوص استبعاد التجمع الوطني للأحرار من قيادة الحكومة المقبلة، فالأمر في نهاية المطاف مرتبط بنتائج الانتخابات القادمة، لا بالرغبات ولا بالتعابير الساخرة من قبيل “واللي أكل، يغمض عينيه”.

السياسة ليست دورة مغلقة تُمنح فيها الفرص مرة واحدة فقط، ولا هي صك براءة دائم. الأحزاب تُحاسَب انتخابياً: إن أقنعت الناخبين جُدِّدت الثقة فيها، وإن أخفقت عوقبت عبر الصندوق. هذه هي القاعدة في الأنظمة التي تجعل من الاقتراع معياراً للحسم.

صحيح أن مزاج الشارع قد يتأثر بالحصيلة الحكومية، وأن الرأي العام قد يميل إلى التغيير بعد كل تجربة، لكن ذلك يبقى رهين توازنات معقدة: أداء المعارضة، التحالفات الممكنة، السياق الاقتصادي، ونسبة المشاركة الانتخابية.

خامساً: بين الصحافة وصناعة الانطباع

الإشكال الحقيقي لا يكمن في تداول الأسماء، فالنقاش السياسي مشروع، بل في تحويل التخمين إلى شبه يقين، وفي تقديم فرضيات غير مؤطرة، وكأنها معلومات مؤكدة.

الصحافة مطالبة بالتحليل، نعم، لكنها مطالبة أيضاً باحترام منطق المؤسسات. لأن تعيين رئيس الحكومة ليس قراراً تحريرياً، بل مسار دستوري يبدأ من صناديق الاقتراع وينتهي بقرار التعيين وفق ما يتيحه الدستور.

خاتمة

لقد حاولنا في هذا المقال تحليل المعطيات المتاحة بمنطق دستوري وسياسي، دون الانجرار وراء الإثارة أو لغة “الكواليس”. ولا نعتقد أن ما يُتداول عن أسرار خلف الستار، قادر على نقض هذا التحليل، خاصة إذا استحضرنا أن فؤاد علي الهمة كان من مؤسسي حزب الأصالة والمعاصرة، ثم عُيِّن مستشاراً ملكياً بعد مرحلة الربيع العربي، في إشارة سياسية واضحة إلى إخراجه من التدافع الحزبي المباشر وإبعاده عن واجهة الصراع الانتخابي.

وعليه، فإن من يعيّن رئيس الحكومة في المغرب ليس “الموقع الإلكتروني”، ولا “التحليل المتسرع”، بل الاقتراع العام أولاً، ثم المسطرة الدستورية.

وما عدا ذلك… يبقى في دائرة التكهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.