الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الدنيا دوّارة: حين التقَت السلطة بالذاكرة

م-ص

يحكي لي صديق – وما أكثر ما تخبئ الحكايات في تفاصيلها الصغيرة – أنه حين كان طالبًا بكلية الحقوق، في جامعة محمد الخامس بالرباط، كان يعيش بين عالمين:
عالم القوانين والنصوص والمرافعات، وعالم القرية البسيطة في جبال الأطلس، حيث البيت الطيني، ورائحة الحطب، ودفء الأم حين تفتح الباب قبل أن يطرق.

كانت زيارته تلك خاطفة. مجرد عطلة قصيرة ليطمئن على الوالدين والإخوة وأصدقاء الطفولة. لكنه لم يكن يعلم أن تلك الزيارة ستكتب فصلًا كاملًا من فصول “الدنيا دوّارة”.

كان الوالد، رجلًا بسيطًا بوجهٍ حفرت فيه الشمس أخاديدها، يُصلح جدار البيت المتواضع.
لا طابق عالٍ، لا توسعة فاخرة، مجرد سترٍ للعائلة من برد الجبال ورياحها.
حجارة تُرصّ، وإسمنت يُخلط بعرق اليدين.

وفي عزّ النهار، توقفت سيارة السلطة أمام البيت.

نزل القائد.
خطواته واثقة، نظراته آمرة، وصوته يحمل ذلك المزيج الغريب من الرسمية والتعالي.
لم يسأل كثيرًا، لم يستفسر طويلًا.
كانت المخالفة جاهزة في ذهنه قبل أن يتكلم.

تحدّث عن “القانون” ببرود.
ولوّح بمحضر.
ثم صمت… صمتًا مفهوماً.

فهم الوالد الرسالة.
كان صمتًا بثمن.
ودفع الرجل ما فرض عليه، لا حبًا في الرضوخ، بل خوفًا على بيته، الذي بالكاد يقيهم المطر.

لم ينصرف القائد إلا وقد جمع ما جاء لأجله، تاركًا خلفه غبار العجرفة ومرارة في صدر الابن الطالب.

صديقي وقف يومها يتأمل المشهد.
لم يتكلم.
لكن شيئًا في داخله تغيّر.
شيء بين الغضب والعزم.

مرت الأيام.

عاد إلى الرباط، عاد إلى المحاضرات، إلى دفاتر القانون الإداري، إلى الحديث عن السلطة وحدودها، وعن المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
كان يدرس النصوص… لكنه كان يحمل صورة والده وهو يمدّ يده مكرهًا.

نال الإجازة.
ثم قرر أن يدخل امتحان مدرسة استكمال الأطر في القنيطرة.
لم يكن القرار صدفة.
كان خيارًا واعيًا:
إمّا أن تبقى السلطة كما رآها في ذلك اليوم،
أو أن يحاول أن يكون هو وجهًا آخر لها.

نجح.

تخرج قائدًا.

عاد إلى الحياة الإدارية من بابها الكبير، لكن بقلبٍ يعرف معنى الانكسار الصغير الذي لا يُرى في الملفات.

كان معروفًا ببرّه بوالديه.
لم ينس البيت ولا الجدار ولا النظرة.
سعى لتشغيل إخوته، الواحد تلو الآخر، لا بالمحاباة الفجة، بل بالسعي والمتابعة والوساطة المشروعة.
كان يؤمن أن الصعود الحقيقي لا يكون وحيدًا.

مضى أكثر من عقد، وترقى الرجل ليصبح كاتبا عاما بولاية كبيرة.

السنوات تغيّر الملامح، لكنها لا تمحو الذاكرة.

وفي أحد الممرات الإدارية، لمح وجهًا مألوفًا.
وجهًا كان يومًا ما يملأ الساحة هيبةً وصوتًا.

كان ذلك القائد نفسه.

لكن دون سيارة فارهة.
دون حاشية.
دون تلك النبرة الآمرة.

تمت تنحيته منذ سنوات.
لم يعد رجل سلطة.
أصبح موظفًا عادياً بين المكاتب.

التقت العيون للحظة.

لم يكن في نظرة صديقي شماتة.
ولا في ملامحه انتقام.
كان فقط ذلك الإدراك العميق الذي يأتي مع النضج:

الدنيا دوّارة.

من وقف يومًا يفرض ثمن الصمت،
يقف اليوم في مصلحة الأرشيف.
ومن رأى والده يُساوَم،
صار بيده أن يختار:
هل يعيد المشهد؟
أم يكسره؟

اقترب منه، حيّاه باحترام.
تحدث معه بلطف، وكأن الماضي صفحة طويت لا سيف يُشهر.

في تلك اللحظة، فهم صديقي درسًا لم يجده في كتب القانون:

السلطة امتحان.
والزمن قاضٍ لا يخطئ المواعيد.
ومن يزرع العجرفة يحصد الوحدة،
ومن يزرع العدل يحصد الطمأنينة.

نعم… الدنيا دوّارة.
لكنها لا تدور عبثًا.
إنها تدور لتكشف معدن الرجال.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.