مجتمع

الدواء في المغرب: “حبّة” للفقير، و”مارجحة” للغني!

ضربة قلم

في جلسة من جلسات الأسئلة الشفهية التي تشبه الحوارات داخل صيدلية شعبية أيام السبت، خرج علينا وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، بجرعة كلامية مركّبة تركت المواطن في حيرة بين أعراض التفاؤل وتسمّم الأسعار.

قال الوزير، بمنتهى الاطمئنان السريري، إن السياسة الدوائية الوطنية أصبحت إحدى ركائز “السيادة الصحية” التي تكرّس الحق في الولوج إلى الأدوية بشكل “منصف وآمن ومستدام”. كلمات جميلة، موزونة، ومغلفة كعلبة دواء مستورد، لكن متى كان “المنصف” في هذا البلد غير أحد أبناء الطبقة النافذة، ومتى كان “الآمن” غير حسابات لوبيات مختبرات الدواء؟

مرسوم جديد: سعر الدواء… حسب ميزانية المواطن؟ أم حسب مزاج المصنع؟

الوزير زفّ إلينا خبر اقتراب مرسوم جديد سيعيد النظر في منظومة تسعير الدواء. رائع! لكن حسب أي ميزان؟ هل هو ميزان القدرة الشرائية للمواطن الذي أصبح يختار بين شراء مضاد حيوي أو ملء قارورة الغاز؟ أم هو ميزان مختبرات الدواء التي تعتبر الربح أقل من 500% نوعًا من الإهانة الوطنية؟

التهراوي طمأننا أن المشروع سيركز على “الأدوية المعوض عنها أو ذات النجاعة المثبتة”. ولكن لحظة، هل هذا يعني أن بقية الأدوية (تلك التي يتعاطاها الفقراء بلا وصفات مؤدى عنها) ستظل خارج الحساب؟ أليس هذا بمثابة إعلان ضمني أن من لا يتوفر على تغطية صحية عليه أن “يتداوى بالإيمان والصبر فقط”؟

ماربيو: السيادة اللقاحية أو السيادة الربحية؟

وفي خضم هذا الوصف الوردي للمنظومة، تمّ استعراض “نجاح مصنع ماربيو”، وكأننا صرنا ننتج البنسلين في حومة سلا ونصدر الأنسولين إلى النرويج. نعم، التعاون بين القطاعين العام والخاص جميل، لكننا نعلم جيدًا من هو “الخاص” في هذا البلد: نفس الأسماء، نفس المختبرات، نفس لوبيات التراخيص التي تُسعّر الشفافية كما تسعر الدواء.

السيادة اللقاحية؟ جميل. لكن ماذا عن السيادة على الأسعار؟ ماذا عن السيادة على العلب المزورة التي ما زالت تتسلل إلى رفوف الصيدليات؟ ماذا عن السيادة على جودة الأدوية الجنيسة التي يصنعها البعض بسرعة أسرع من وجبة سريعة؟

كلمة أخيرة من بطن المعدة وليس من فم الوزير:

حين يصبح الدواء مشروعا تجاريا قبل أن يكون ضرورة صحية، حين تُمارَس العدالة في التسعير مثل وصفة طبية مشفرة بلاتينية، نكون قد دخلنا مرحلة “الدواء في السوق السوداء، والشفاء في يد القضاء”.

هل سنحتاج إلى “مراسيم” لتعديل مفعول الفقر بدل مفعول الدواء؟ أم ننتظر اللقاح الحقيقي: لقاح ضد الجشع السياسي؟ لأن أمل الفقير لم يعد في حبّة دواء بل في حبّة ضمير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.