الدور يقترب… والوجه خلف القضبان ليس بعيداً

ابراهيم علال
يقال إن السياسة لا تعرف المفاجآت، وهذا صحيح… لكنها تعشق الإخراج الدرامي، وتُتقن لعبة الإضاءة والظلال، وتنتظر دائماً اللحظة التي يطمئن فيها الجميع ليأتي الانقلاب من حيث لا يُتوقع. السياسة لا تُفاجئك بالحدث، بل تُفاجئك بالتوقيت، وبالطريقة التي تُغلق بها المشهد دون ضجيج.
الجميع كان يعتقد أن نيكولاس مادورو، جزء ثابت من الديكور الدولي، قطعة أثاث ثقيلة لكنها مألوفة، لا تُحرّكها الرياح ولا تغيّرها العواصف. سنوات من الخطابات، من القبضات المرفوعة، من الصور التي تُقدَّم على أنها دليل “الصمود”. ثم فجأة… لا شيء. خبر بارد، بلا مقدّمات، بلا موسيقى تصويرية. اعتقال، وانتهى العرض.
هنا لا يسقط رجل، بل تسقط قصة كاملة. تسقط أسطورة إعلامية، صُنعت بعناية، ثم جرى تفكيكها في لقطة واحدة. السياسة لا تناقش الأساطير، ولا تجادلها، بل تمحوها حين تصبح غير مفيدة. وحين ترفع يدها، لا تحتاج إلى شرح، الجميع يفهم الرسالة.
المشهد لم يكن صادماً للجميع. بعضهم صُدم، لأنه كان يصدق الرواية، وبعضهم ضحك لأنه كان ينتظر النهاية منذ الحلقة الأولى، لكن الأكثر قلقاً، هم أولئك الذين رأوا أنفسهم في المرآة. لأن ما حدث لمادورو ليس حالة معزولة، بل نموذج يُعاد تدويره كلما تغيّر المزاج الدولي.
وهنا، وبسخرية لا تخطئها العين، يبتلع عبد المجيد تبون ريقه. ليس لأن فنزويلا قريبة أو بعيدة، ولا لأن الخبر صحيح أو مبالغ فيه، بل لأن التاريخ، حين يبدأ في العدّ، لا يطرق الباب. لا يقول “استعدوا”، ولا يرسل إشعاراً عاجلاً. يبدأ فقط… ومن يفهم، يفهم متأخراً.
مادورو لم يسقط لأنه بلا أصدقاء، سقط لأنه صار عبئاً. والسياسة، بخلاف الخطابات، لا تحب الأعباء. الصديق حين يصبح مكلفاً، يتحول بسرعة إلى ملف. والملف، في العرف الدولي، لا يُفتح للنقاش بل للحسم.
هنا تنهار أسطورة أخرى: أسطورة الصداقة الأيديولوجية. الطائرات لا تقرأ الشعارات، والمحاكم لا تهتم بنبرة الصوت الثورية، والخرائط لا تُرسم بالعواطف. كل شيء يُقاس بالمنفعة، وحين تنتهي المنفعة، ينتهي الدفء.
السخرية السوداء أن مادورو كان يوماً “حليفاً موثوقاً”. تُلتقط معه الصور، وتُصافَح الأيدي أمام الكاميرات، ويُذكر اسمه باعتزاز في المحافل. ثم تغيّر الطقس الدولي، فاختفى كل ذلك، وكأن أحدهم ضغط على زر “حذف”.
ومن هنا يطفو السؤال الحقيقي، السؤال الذي لا يظهر في البيانات الرسمية، لكنه يتردد في الممرات المغلقة: من التالي؟
عبد المجيد تبون، الذي اعتاد دعم عصابة إرهابية والاصطفاف مع كل من لفظهم الزمن، يتصرف وكأن العالم، سيكافئه على العناد. يتحدث عن الشرعية الدولية، وهو أول من يضعها في جيبه الخلفي. يمول قضايا ميتة، ثم يطلب من الجميع احترام “خصوصية الموقف”.
يظن أن تكرار الخطأ يحوله إلى حق، وأن الإصرار يُربك التاريخ. لكن التاريخ لا يُربك، التاريخ ينتظر فقط، ثم يفتح الملفات الثقيلة حين تتغير الرياح.
الاعتقال في السياسة، ليس بالضرورة زنزانة. أحياناً هو عزلة بطيئة، أبواب تُغلق بهدوء، هواتف لا تُجاب، دعوات لا تصل. ثم في النهاية ابتسامة باردة تقول: انتهت صلاحيتك، شكراً على الخدمة.



