الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

الدولة تتقدّم… والأحزاب تتأخر: من يعطّل من؟

عبدالله العبادي / مختص في الشؤون العربية والإفريقية

نتساءل دوماً: لماذا تغيب معظم الأحزاب السياسية، عن مشهد البناء الذي تقوده الدولة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي؟ ولماذا تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى أدوات تعطيل أكثر منها رافعةً للتنمية؟ وأين يكمن الخلل في طريقة اشتغالها؟ ولماذا تتّسع الفجوة بينها وبين الدولة؟
أسئلة باتت تفرض نفسها بإلحاح، على الواقع الحزبي المغربي، ونحن على بُعد أشهر من استحقاقات نيابية، وفي أفق مشروع حكومي لمغرب ما بعد 31 أكتوبر. فهل الأحزاب السياسية قادرة على رفع هذا التحدي؟

العالم يعيش تحوّلات كبرى، والمغرب بدوره ليس بمنأى عنها. ولم يعد هناك مجال للمجاملة أو النفاق، ولا حتى للتخفيف من حدّة النقد. فالوطن أمام تحديات جسيمة، وهو في حاجة إلى أبنائه الشرفاء. إن المرحلة الحساسة التي نعيشها، تفرض قراءةً بمنطق المسؤولية والمواطنة، لا بمنطق عدد الفرق البرلمانية لهذا الحزب أو ذاك.
ومع ذلك، لم تُغيّر الأحزاب من مشاريعها، ولا من رؤاها للمستقبل، ولا تبدو حاملةً لبرامج فعلية، قادرة على مواكبة سرعة الدولة في تنزيل المشاريع الكبرى. فمَن أوصل الأحزاب إلى هذه الحالة من العطب والجمود السياسي؟

قد يكون لتكرار نفس الوجوه دورٌ كبير في تكريس الفساد والعطالة السياسية، وقد تكون مصلحة الوطن، لا تعني الشيء الكثير لدى بعض الفاعلين. في المقابل، يحمل المغرب رؤية واضحة المعالم، داخلياً وخارجياً، ويساير بذكاء التحولات العالمية من أجل تموقع أفضل، ودفاعاً عن المصالح العليا للوطن.
غير أن الأحزاب، تبدو عاجزة عن بلورة هذه المشاريع على أرض الواقع؛ فالقصور واضح على مستوى السرعة والنجاعة في التنفيذ. وهذا التعثر في حسم التحديات، يؤخر العديد من التحولات الداخلية، التي يفترض أن تنسجم مع الرؤى الملكية، ومع السياسة الخارجية للدولة، والتي استطاعت أن تحجز لنفسها، مكانة محترمة في الخريطة السياسية الدولية.

إن النضج الذي بلغته الدولة، والتجربة التي راكمتها، وحضورها القوي إقليمياً وقارياً ودولياً، يقابله بطء ملحوظ لدى النخب الحزبية في تحويل هذه المكتسبات إلى إنجازات ملموسة. وهنا، لا بد من الاعتراف بكلفة تعطيل الأحزاب للمشاريع الكبرى، وبالأثر السلبي لذلك على الدولة والمجتمع.
فالأحزاب التي تدبّر القرار العمومي، سواء في المجالس الترابية أو الحكومة أو البرلمان، لا تساهم بما يكفي في رفع سقف الرهانات الوطنية والدولية، بل تحوّلت فرص كثيرة إلى رهانات ضائعة، للأسف.

وقد أبانت التجارب، أن الأحزاب تعاني قصوراً في الإصلاح الذاتي، لأن بنيتها الداخلية لا تشجع على التغيير. ليس بالضرورة لغياب الإرادة، بل لأن تركيبتها التنظيمية، وأجهزتها، وهياكلها تقاوم التغيير؛ وتتمسّك بوضعها القائم. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الإصلاح من الداخل، أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، ما يفتح النقاش حول ضرورة الدفع بإصلاحات من خارجها.
ومن يعتقد أن الأحزاب الحالية، ستتغير جذرياً قبل 23 شتنبر، فذلك أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقع.

لقد دعا صاحب الجلالة، في أكثر من مناسبة، إلى إصلاح الأحزاب، وشخّص بدقة أعطابها البنيوية، مؤكداً على ضرورة تقوية هياكلها بالكفاءات وشرفاء الوطن. غير أن التنبيه وحده، لم يعد كافياً، في ظل غياب إشارات واضحة، على إرادة حقيقية للتغيير وإعادة الهيكلة، بما ينسجم مع تحديات وطموحات الدولة والمجتمع.

لقد طالبنا، في أكثر من مناسبة، بتشكيل حكومة تكنوقراط في أفق 2026، يقودها صاحب الجلالة، كفرصة تاريخية أمام الأحزاب، لإعادة ترتيب بيتها الداخلي وتجديد نخبها. فنحن اليوم أمام خيار صعب: إما إعادة إنتاج نفس المشهد السياسي بنفس التشكيلات والوجوه، أو القطع مع أعطاب الماضي.
غير أن المعطيات الحالية، ترجّح سيناريو إعادة الإنتاج، وهو ما يطرح تخوفاً مشروعاً، خاصة وأن الحكومة المقبلة ستقود المغرب في مرحلة دقيقة، تتسم بظروف دولية معقدة وتحديات داخلية متزايدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.