الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الافتتاحية

الذاكرة الصحفية: حين تتحول المهنة إلى مدرسة، والثقة إلى اختبار قاسٍ

محمد صابر

بالموازاة مع تجربتي، في إدارة جريدة جهوية، كنت أعيش زمنًا صحفيًا مركّبًا، لا يعرف الترف، ولا التخصص الضيق. زمنًا كانت فيه الصحافة مهنة شاملة، تقتضي من صاحبها، أن يكون محررًا، ومدققًا، وباحثًا، وأحيانًا تلميذًا مجتهدًا في حقول، لا تمت بصلة مباشرة، لما درس أو اعتاد الكتابة فيه. ففي الوقت، الذي كنت أسهر فيه، على لمّ شتات الأخبار المحلية، وتحريرها، ومواكبة تفاصيلها اليومية، وجدت نفسي أتحمل مسؤولية مهنية أخرى، لا تقل ثقلًا، داخل جريدة شهرية تصدر باللغتين العربية والفرنسية، وتعود لجمعية مهنية لمنتجي ومصدري الخضر والبواكر.

كانت تجربة من نوع خاص، لأن هذا المنبر، لم يكن سياسيا ولا اجتماعيا، بالمعنى المتداول، بل تقنيا، اقتصاديا، فلاحيا بامتياز. جريدة تفرض عليك، قبل أن تكتب، أن تفهم. وقبل أن تحرر، أن تتعلم. هناك، لم يعد مقبولًا ،أن تمرر مصطلحًا على عجل، أو تكتب عن مرض نباتي، وكأنه شأن هامشي. تعلمت، وأنا أعد الأعداد واحدًا تلو الآخر، أن الملاريا ليست فقط داءً يصيب الإنسان، بل مرض معدٍ يفتك بالطماطم، ويهدد مواسم كاملة، وأن كلمة غير دقيقة، قد تعني خسائر بملايين، أو تضليلًا لمهنيين يضعون ثقتهم في ما يُنشر.

كانت الجمعية، في ذلك الوقت، قوية الحضور، ثرية الموارد، يساهم فيها، كبار مصدري الخضر والبواكر، وتستفيد من دعم الدولة، وكان مقرها أشبه، بمقر وزارة لا بمقر جمعية. بناية فخمة، مكاتب منظمة، سيارات، سائقون، ونظام إداري يوحي بالاستقرار. وكنت، مقابل إعداد عدد واحد في الشهر، أتقاضى أجرة محترمة، لكنها لم تكن مجرد أجر، بل اعتراف بعمل، وبثقة متبادلة، لم تكن تحتاج إلى عقود ولا إلى ضمانات مكتوبة.

وفي صباح عادي، من تلك الصباحات التي لا تنبئ بشيء، وأنا أحتسي قهوة الصباح، بمقهى محطة قطار المحمدية، جلس إلى جانبي متعاون، أعرفه معرفة سطحية، يشتغل بقطاع التعليم العمومي، ويقوم بأعمال ترجمة متفرقة، في يومية مغربية. كان وجهه يحمل دائمًا تلك المسحة نفسها: استعجال، تذمر، وضيق لا ينتهي. وحين هممنا بمغادرة المقهى، في اتجاه رصيف القطار نحو الدار البيضاء، طلب مني سلفة قدرها 300 درهم. استجبت، رغم أنني ذكّرته، بصراحة، أنه سبق أن اقترض ولم يفِ، لا معي ولا مع غيري، وأن هذه السلوكات، صارت معروفة عنه. لكنه وعد، كما وعد دائمًا، ومضينا.

عند وصولنا إلى الدار البيضاء، رافقني إلى مقر الجمعية. دخل المبنى مبهورًا، يتأمل الفضاء، المكاتب، الأجواء. وربما، في تلك اللحظة، بدأ شيء ما يتشكل في ذهنه. من باب الشفقة، وربما من باب حسن النية الزائد عن حده، عرضت عليه عملًا: ترجمة ثلاث مواد قصيرة. كنت أعتقد، سذاجة أو حسن ظن، أنه يترجم من العربية إلى الفرنسية ومن الفرنسية إلى العربية. لكنه فاجأني، في نفس اليوم، بفرنسية لا تصلح، حتى للمسودة الأولى، لغة مكسّرة، أخطاء تركيبية، مصطلحات في غير محلها، نص لا يمكن نشره بأي حال.

تكفلت بالأمر، أصلحت، عدلت، أعدت الصياغة، وتحملت، بصمت، نتيجة تسرعي. وفي اليوم الموالي، حين كنت في طريقي لإحدى زياراتي الدورية للمقر، اتصل بي، فالتقيته رفقة مدير الجريدة، الذي لم يكن في الحقيقة، سوى أمين صندوق الجمعية. قلت، بدافع التهدئة، وحفظ ماء الوجه، إن صاحبنا ساعد في الترجمة. أخرج المدير دفتر الشيكات وسألني: “كم؟”. قلت: ألف وخمسمائة درهم. وقبل أن يحرر الشيك، استدركت وقلت: يكفي ألف ومائتي درهم، لأنه مدين لي بثلاثمائة.

افترقنا، وظننت أن القصة، انتهت عند هذا الحد.

لكن بعض القصص لا تنتهي، بل تبدأ متأخرة.

مرت أيام قليلة، لأتفاجأ باتصال من كاتبة داخل الجمعية، تخبرني، بنبرة تجمع بين الاستغراب والحرج، أن “المترجم” عاد رفقة صديق له، توأمه في السلوك، لا يفترقان، واتصلا مباشرة بمدير الجريدة، وطلبا منه تولي إصدار الجريدة، بأجرة تقل كثيرًا عن تلك التي كنت أتقاضاها، ودون عقد، فقط بالحديث عن “القدرة” و”الاستعداد”.

أرسلت لي الكاتبة، عبر سائق الجمعية، نسخة من العدد الصادر. كان عددًا غريبًا، مرتبكًا، بلا روح، بلا لغة، بلا بوصلة. وما إن قلبت صفحاته، حتى أدركت أن وجودي انتهى في ذلك المنبر، لا بقرار مهني، بل بخيانة صريحة، عنوانها استغلال الثقة، والطعن من الخلف.

حين توصل رئيس الجمعية، بنسخة من العدد نفسه، تبيّن أنه انفجر غضبًا. صبّ جام سخطه على المدير، واعتبر ما جرى إساءة للجمعية، قبل أن يكون إساءة لأشخاص بعينهم. وأصرّ، بشكل قاطع، على عدم توزيع العدد على الشركاء والمنخرطين، رغم أنه كان يُوزَّع مجانًا، لأن في توزيعه إقرارًا، بأن مضمونه يسيء إلى صورة الجمعية ومكانتها.

وهنا، لا يعود الحديث فقط عن خيانة مهنية، بل عن نموذج بشري يتكرر: شخص اعتاد أن يقتات على الهامش، أن يبدل الوجوه، كما يبدل المواقع، أن يركب أدراج السياسة حينًا، وسلالم الانتخابات حينًا آخر، وأن يكري وجهه ومواقفه، لكل من يدفع، دون ثبات، دون وفاء، دون ذاكرة. خيانة تبدأ بسلفة صغيرة لا تُرد، وتنتهي بمحاولة الاستحواذ على منبر، أو موقع، أو فرصة، دون أدنى شعور بالذنب.

في الصحافة، كما في الحياة، لا تؤلمك الخسارة، بقدر ما يؤلمك أن تأتي، من حيث ظننت أن الثقة كافية، وأن النية الحسنة تحميك. لكنها، في النهاية، دروس قاسية، لا تُدرَّس في المعاهد، بل تُكتَب في الذاكرة، وتبقى، شاهدة، على زمن كانت فيه الكلمة مسؤولية، وكانت الخيانة، للأسف، رخيصة ومتاحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.