الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الذاكرة الصحفية: حين كانت المعلومة تُنتزع من بين أصابع السلطة

م-ص

كنت في بدايات مشواري المهني، منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أتعلم أبجديات مهنة لا تُدرَّس في المعاهد فقط، بل تُدفع كلفتها أحيانًا من الأعصاب، وأحيانًا من العمر ذاته. مهنة تُزهق من أجلها الأرواح في الحروب والنزاعات، وأعني بها طبعًا صاحبة الجلالة: الصحافة.

في صباح مشحون بالقلق، بلغني على التو، خبر غرق مركب صيد، وفقدان بحّارة، كانوا على متنه. لم يكن الخبر عاديًا، ولم يكن يحتمل الانتظار. حملت محفظتي، وتوجهت مباشرة، إلى الميناء التجاري بالمدينة، بنيّة الاتصال بمصلحة الإرشاد الملاحي، بحثًا عن المعلومة، عن الأسماء، عن الحقيقة العارية، التي لا تصل إلى الناس إلا عبر مشقة.

عند بوابة الميناء، صادفت عميد الميناء رفقة أحد رجال الأعمال المعروفين بالمدينة. كانا يتبادلان الحديث، فتقدّمت نحوهما. حيّيت رجل الأعمال، ثم مددت يدي لعميد الميناء. مدّ هذا الأخير يده، لكنه أخرج إصبعين فقط، فيما مددت له إصبعًا واحدًا. حركة صغيرة، لكنها كانت كافية، لتكشف مزاج رجل، يرى في المنصب، أكثر مما يحتمل.

سألني، بنبرة غير لائقة، عمّا أريده. أخرجت له بطاقة الجريدة آنذاك، إذ لم تكن البطاقة المهنية، معمولًا بها بعد. لكنه، وكشرط تعجيزي، طلب مني رخصة خاصة، وكأنني ألج مكانًا يعج بأسرار الدولة، لا ميناءً عموميًا، يفترض أنه في خدمة الصالح العام.

نبهته إلى أن هذا التعسف، لن يخدم سوى تأخيري، عن أداء واجبي المهني، وأن الوقت في مثل هذه الوقائع، ليس تفصيلاً ثانويًا، لكنه لم يتراجع قيد أنملة. عندها، لم أجد بدًّا من قصد رئاسة أمن المدينة. صادف أن وجدت رئيس الأمن الإقليمي آنذاك، فاستقبلني باستماع هادئ، وأصغى إلى تفاصيل ما وقع، دون مقاطعة. لم يتردد بعدها في رفع سماعة الهاتف، وبنبرة صارمة لا تخلو من الاستياء، خاطب عميد الميناء قائلًا: «ما دام قد قدّم لك بطاقة الجريدة، فذلك كافٍ. لسنا في لعبة صغار، ولا في مجال لتصفية المزاجات الشخصية. سَهِّل مهمته ودعه يقوم بعمله فورًا».

شكرت الرجل، وعدت أدراجي. وعندما وصلت إلى بوابة الميناء، كان “صاحبنا” قد اختفى داخل مكتبه، بعد أن أعطى تعليماته لعنصري الشرطة الواقفين هناك. وبمشقة الأنفس، حصلت على المعلومة: طاقم المركب ينحدر من مدينة آسفي، ولم ينجُ منهم أحد. قضاء البحر، كما يقولون، لا يرحم، ولا يعترف بالأماني.

عدت، لكن بالي لم يهدأ. الفضول المهني، وربما الإنساني، قادني لمعرفة المزيد، عن عميد الميناء. تبيّن لاحقًا أن رتبته كانت ضابطًا ممتازًا، وأنه حلّ لتوه من فرقة الدراجين العاملين بالقصر الملكي، وأن انتقاله، لم يكن اختيارًا، بل إجراءً تأديبيًا. وبرأفة من رئيس الأمن الإقليمي آنذاك، وُضع على رأس أمن ميناء المدينة.

ومن مفارقات القدر، أن الرجل كان جارًا لي، يسكن إقامة بمحاذاة الحي الذي أقطنه. صار يحييني كلما التقينا صدفة، وكأن حادثة الميناء لم تقع قط.

لكن الأخطاء توالت داخل الميناء، في التدبير والسلوك، إلى أن تم إعفاؤه وإحالته على تقاعد مبكر نسبيًا. غير أن التقاعد لم يكن نهاية المتاعب، بل بدا وكأنه بداية لانفلات داخلي صامت. دأب، وهو يسكن بالإقامة المذكورة، على تحويلها إلى ما يشبه “كوميسارية” غير معلنة. صار يتعمد تفريغ هواء عجلات سيارات، كل من بلغ إلى علمه، أنه لا يسكن نفس الإقامة.

تكررت هذه الأفعال، إلى حد فقد فيه الرجل توازنه. أصبح يتردد على محطة القطار، متوهّمًا أنه قد يظفر بإرهابيين. وبلغ به الشرود مبلغًا جعل رئيس مصلحة الشرطة القضائية آنذاك، بعد أن أدرك أن الرجل يدخل ويخرج في الحديث، يقول له ساخرًا:
“سِر إلى شاطئ الجرف، لعل الإرهابيين يخرجون من هناك.”

وبسبب قضايا أسرية، لا داعي للنبش فيها، قرر الرجل أن يعيش لسنوات رفقة شقيقته في الشقة، بعدما غادر باقي أفراد الأسرة إلى كندا والدار البيضاء. كان يتنقل داخل المدينة بسيارته، ويتعمد تشغيل صفارة الإنذار (la sirène)، يضعها فوق السيارة، ويجوب الشوارع، فقط من أجل شدّ انتباه المارة، وكأن المنصب لم يغادره بعد.

وإذا اختصرنا مغامراته الكثيرة، تبقى الحكاية الأخيرة هي الأشد وقعًا. في يوم مشؤوم، حمل بندقية صيد، وخرج إلى شرفة الشقة الكائنة بإقامة تحمل اسم “السلامة”… ويا للمفارقة. صوب سلاحه نحو مواطن، أغضبه فقط، لأنه لا يسكن الإقامة، وكان قد ركن سيارته بموقفها.

لحسن حظ الضحية، أصيب على مستوى الكتف فقط. حضرت عناصر الأمن بسرعة، جرى توقيف الرجل، نُقل إلى المخفر، ثم إلى المحاكمة، ومنها إلى سجن عكاشة. وبعد أيام قليلة، سيلفظ أنفاسه الأخيرة هناك. رحمه الله وغفر له.

خاتمة
هذه ليست حكاية شخص فقط، بل مرآة لمرحلة، ولعلاقة معقّدة بين السلطة، والنفس البشرية، والمهنة التي كانت – ولا تزال – تمشي على حبل رفيع بين الواجب والخطر. في الذاكرة الصحفية، لا نسجل الوقائع للتشهير، بل للعبرة. فحين تختل الموازين، وحين يُساء استعمال النفوذ، تكون النهايات دائمًا موجعة، للجميع، بلا استثناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.