الذاكرة الصحفية والجرأة التي كانت بلا ممول… ولا مظلة

محمد صابر
حين نستدعي الذاكرة الصحفية، لا نفعل ذلك بدافع الحنين الرومانسي، بل لأن الذاكرة، في مهنة مثل الصحافة، ليست أرشيفًا للصور الصفراء، بل ميزانًا نقيس به حجم الانحدار أو الخسارة. في مطلع التسعينيات، كانت الصحافة تُمارَس بحدّها الأدنى من الإمكانيات، وحدّها الأقصى من الجرأة. لا تمويل عمومي يُمسك بالقلم، ولا حزب يكتب العناوين، ولا “مظلّة” تحمي الخط التحريري، عند أول اصطدام بالحقيقة.
كنا ندير جريدة جهوية ورقية محترمة، مستقلة بالمعنى الصارم للكلمة: لا خطاب خشبي، ولا حسابات خفية. جريدة تعيش أساسًا على الإشهار، وتستمد شرعيتها من قارئ، يشتريها لأنه يجد فيها نفسه، لا لأنها مفروضة عليه أو مدفوعة من جيب دافع الضرائب. ورغم قسوة الظروف، ظلت المبيعات “تشرّف”، بما يكفي لنواصل المسار لأكثر من ستة وثلاثين سنة، في زمن كان الاستمرار فيه فعل مقاومة لا امتيازًا.
حين كان المحلي مرآة الوطن
لم نكن نطارد العناوين الوطنية لمجرد الظهور، بل كنا نكتب عن المحمدية وبنسليمان كما تُكتب السيرة الذاتية: بصدق، بتفاصيلها الصغيرة، وبمشاكلها الكبيرة. كنا نعرف أن من يفهم صحافة القرب، يفهم الوطني تلقائيًا، لأن الخلل واحد، وإن اختلفت الجغرافيا. وحين كانت القضايا الوطنية تفرض نفسها، كنا نقترب منها، دون صراخ، لأن الجريدة الجهوية، لا تقل وطنية حين تحترم عقل قارئها.
عمود بلا أسماء… لكنه أصاب الهدف
في مستهل التسعينيات، حين كانت الصحافة الورقية، تُدار بالعرق لا بالولاءات، وبالضمير لا بالمنح، كنا ندير جريدة جهوية مستقلة بالمعنى الحقيقي للكلمة: لا انتماء حزبي، لا تمويل عمومي، ولا مظلات تحمي الأقلام عند العاصفة. جريدة تعيش أساسًا من الإعلانات الإشهارية، وتستمد شرعيتها من قارئ يقتنيها، لأنه يثق فيها، لا لأنها موزعة قسرًا أو مدعومة بطرق ملتوية.
في أحد الأعمدة، كتبنا عن رئيس جماعة بإقليم بنسليمان، دون ذكر اسمه، ودون تشخيص فجّ. طرحنا سؤالًا بسيطًا لكنه ثقيل الدلالة:
أي خير يُرجى من مسؤول، بينما والدته التي حملته وربّته تقطن في “براكة”؟
لم يكن السؤال شخصيًا، بل أخلاقيًا. الرجل لم يكن سوى نموذج، من نماذج كثيرة لمسؤولين قطعوا الوديان، ونشفت أرجلهم، وما إن وصلوا إلى الكراسي، حتى نسوا الطريق إلى بيوت آبائهم. لم نتهم، لم نُدن، ولم نُسمِّ. فقط سألنا، لأن الصحافة، حين تفقد حق السؤال، تتحول إلى نشرة علاقات عامة.
حين يتحول السؤال إلى شكاية
بعد أيام قليلة من نشر العمود، تفاجأنا بشكاية، وُضعت لدى محكمة بنسليمان، بتهمة القذف والتشهير. المثير أن المشتكي، لم يكن الرئيس المعني مباشرة، بل رئيس جماعة أخرى، تابعة لنفس النفوذ، من بين سبع وعشرين جماعة آنذاك. الشكاية رفعها محام باسم موكله الرئيس “قد الدنيا”، رحمه الله.
انتقلت الشكاية من بنسليمان إلى المحمدية، لنتوصل باستدعاء من الدائرة الأمنية الأقرب إلينا. هناك، وجدنا رئيس الدائرة في انتظارنا، وقد أصرّ على الاستماع إلينا شخصيًا. كان المشهد، أقرب إلى لقطة سينمائية قديمة: العميد يكتب، وصوت الآلة الكاتبة يُسمع من مسافة عشرين خطوة، وكأن الزمن قرر أن يتوقف احترامًا للمشهد.
قرأنا الشكاية بهدوء، وقلنا باختصار شديد:
لم نقصد هذا الرئيس بالذات، ولم نكن نعلم أن والدته، بدورها، تقطن “براكة”.
انتهى الكلام… وانتهى معه المحضر.
الحفظ… وبقاء السؤال
قُيّدت الشكاية بالحفظ، كما كان متوقعًا، لأن العمود، لم يذكر اسمًا، ولم يوجّه اتهامًا، بل طرح سؤالًا أخلاقيًا عامًا. لكن السؤال الحقيقي بقي معلقًا في الهواء:
من أدى أتعاب محامي الرئيس؟
هل هي الجماعة؟ أم المال الخاص؟ أم تلك المنطقة الرمادية، التي لا تظهر في الميزانيات؟
كان الأجدر بالمشتكي، بدل اللجوء إلى القضاء، أن يفهم “العمود” بالدارجة المغربية البسيطة:
أن يوقظ ضميره،
أن ينقذ والدته، من سكن لا يليق لا بثروته، ولا بمكانتها كأم رئيس جماعة ميسور،
وأن يدرك أن الصحافة حين تسأل، لا تفعل ذلك بدافع الحقد، بل بدافع التذكير.
الذاكرة لا تُقاضي… لكنها لا تنسى
هذه الحكاية ليست للتباكي على زمن مضى، ولا لتلميع بطولة صحفية. إنها مجرد شهادة على مرحلة كانت فيها الكلمة تُكتب بلا حسابات، وكان السؤال يُطرح دون خوف. كنا وما زلنا ملقحين ضد الخوف، ضد كل الصدمات، ضد كل من يريد أن يحبس الحقيقة أو يختزلها في حسابات ضيقة.
هي تذكرة بأن الصحافة، حين تكون حرة فعلًا، لا تحتاج إلى أسماء كي تُحرج،
ولا إلى صراخ كي تُوجع، يكفيها سؤال صادق… ليكشف ما حاول الكثيرون ستره.



