
ضربة قلم
في مثل هذا اليوم من سنة 1965، اختفى رجل كان أكبر من أن يُحتمل، وأخطر من أن يُترك حيًّا.
المهدي بنبركة، المعارض الذي جعل من السياسة علمًا، ومن الرياضيات فلسفة دقيقة لتغيير العالم، خرج من مقهى “ليب” الباريسي، ولم يعد أحدٌ يراه بعدها. لا قبر، لا جثة، لا اعتراف، فقط فراغٌ طويلٌ يملؤه الغموض، وأسئلة تزداد حِدّة كلما ظنّوا أنهم اقتربوا من الجواب.
المهدي… الرجل الذي تجاوز وطنه
بنبركة لم يكن مجرد زعيمٍ حزبي أو معارضٍ للنظام المغربي، بل كان رجل مرحلةٍ عالمية بامتياز.
ولد في الرباط، لكن طموحه كان أكبر من جغرافيا بلده. قاد انشقاق “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، ووجد نفسه في قلب حركة أممية تريد أن تعيد للعالم الثالث اعتباره في مواجهة هيمنة الغرب.
كان يؤمن أن الجنوب الفقير قادر على أن يكتب تاريخه بيده، وأن “القارات الثلاث” -آسيا، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية- قادرة على تشكيل محورٍ جديد، يواجه الإمبراطوريات القديمة لا بالسلاح، بل بالفكر والعدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية.
لهذا كان يحاور قادة الصين والاتحاد السوفياتي وكوبا والجزائر، ويخطط لمؤتمر عالمي في هافانا يُعيد تعريف ميزان القوى العالمي.
كان يعرف أنه يلعب بالنار، وأن من يتحدّى واشنطن وباريس ومصالح القصور معًا لا يعيش طويلًا.
ومع ذلك، ظلّ يبتسم أمام الكاميرات بوجهٍ هادئٍ، كمن يحفظ معادلة الحياة والموت على طرف القلم.
باريس… مدينة الأنوار التي أطفأت نوره
29 أكتوبر 1965، ظهر ذلك اليوم البارد، استُدعي بنبركة إلى موعد في مقهى بباريس للقاء صانع أفلام فرنسي، قيل له إنه سيُنتج فيلمًا وثائقيًا عن حركات التحرر.
ركب سيارته، واتجه إلى الموعد. أمام المقهى توقفت سيارة سوداء نزل منها رجلان يضعان شارات الشرطة الفرنسية. اقتربا منه بكل هدوء، وطلبا مرافقته “للاستفسار”.
منذ تلك اللحظة، اختفى بنبركة كما تُمحى سطور من دفترٍ رسميّ.
العملية لم تكن عشوائية، بل مسرحية مُحكمة أُخرجت بتنسيقٍ معقّد بين شبكات إجرامية فرنسية، وضباط أمن، ووسطاء غامضين لهم صلات بأجهزة مختلفة. باريس التي كانت تتغنّى بحرية الفكر صارت مقبرة صامتة لرجلٍ أراد أن يفكر خارج حدودها.
جريمة بين دولتين… ومصالح متشابكة
لم يكن اختطاف بنبركة شأنًا مغربيًا صرفًا، ولا عملية فرنسية خالصة.
إنها واحدة من أكثر القضايا التي تتقاطع فيها خطوط المصالح بين العواصم، وتتداخل فيها الاستخبارات بالسياسة وبالمال وبالخوف.
المغرب، في منتصف الستينات، كان يخرج من مرحلة ما بعد الاستقلال إلى مرحلة “السلطة المطلقة”، حيث كان النظام يضبط إيقاع المعارضة بالنفي والسجن، وأحيانًا بما هو أبعد.
أما فرنسا، فكانت تعيش تناقضاتها الخاصة: بلد الثورة والأنوار، لكنه لا يزال يحتفظ بعلاقاتٍ ملتبسة مع أنظمةٍ أفريقية وعربية حديثة الولادة، تحكمها العصا أكثر مما يحكمها الدستور.
من هنا، تحوّل اختفاء بنبركة إلى كرة نارٍ تتقاذفها العواصم.
كل طرفٍ ينكر مسؤوليته، وكل طرفٍ يعرف أكثر مما يقول.
وفي النهاية، ضاع الرجل بين السرّ الفرنسي والسكوت المغربي، وبين صمتٍ دوليٍّ لم يكن بريئًا.
هيئة الإنصاف والمصالحة… ذاكرة ناقصة
عندما قرّر المغرب في بداية الألفية الجديدة فتح صفحة “العدالة الانتقالية”، كان اسم المهدي بنبركة أول الأسماء التي تعود إلى الواجهة.
هيئة الإنصاف والمصالحة قالت ما يكفي لتُبقي الأمل حيًّا، لكنها لم تقل كل شيء.
أقرت بأن الاختطاف تمّ على التراب الفرنسي، وبأن عناصر لها صلة بالمخابرات المغربية شاركت في العملية.
لكنها تركت الباب مواربًا حين تحدثت عن ضرورة “مواصلة البحث” و“الكشف الكامل عن الحقيقة”.
الهيئة لم تستطع أن تشرح من أمر، ولا أين انتهى الجسد، ولا من دفنه.
بل اكتفت بأن تضع يدها على الجرح وتقول: “هنا نزف التاريخ”.
الملف ظلّ يراوح بين الدبلوماسية والذاكرة، كأنّ الحقيقة نفسها تخاف أن تُقال.
ذكرى لا تُطفأ
كل سنة، في مثل هذا اليوم، يُحيي الحقوقيون المغاربة “يوم المختطف”.
يقفون أمام صورٍ باهتة لوجهٍ صار رمزًا للضمير الوطني، يرفعون شعاراتٍ تطالب بالحقيقة الكاملة والعدالة الغائبة.
ستون سنة مرت، وتحوّل بنبركة من معارضٍ إلى أيقونة، ومن متهمٍ بالثورة إلى شهيدٍ للكرامة.
لكن خلف الشعارات، هناك وجع عائلي لم يبرأ.
أبناء وأحفاد ما زالوا يسألون: أين دفنوه؟ من كان في الغرفة الأخيرة؟
أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها كافية لتُربك حكومات ودولًا وأجهزة بأكملها.
ما وراء الغياب
اختفاء المهدي بنبركة لم يكن حادثًا عابرًا في زمنٍ سياسيٍّ مضطرب، بل كان إعلانًا ضمنيًا عن نهاية مرحلة.
نهاية زمنٍ كان فيه الحلم الثوري قادرًا على تحريك شعوبٍ بأكملها، وبداية زمنٍ تُدار فيه السياسة من وراء الستائر.
فقد كان الرجل يرمز إلى فكرةٍ أخافت الجميع: فكرة “الاستقلال الحقيقي”، ليس استقلال العلم والراية، بل استقلال القرار والسيادة الاقتصادية والفكرية.
اختفاؤه كان رسالةً إلى كل من يعتقد أن التاريخ يمكن أن يُكتب بأقلامٍ غير مرخّصة.
ومع ذلك، لم تنجح تلك الرسالة في إسكات الذاكرة.
فكلما حاولوا طمس صوته، خرج من كتبٍ جديدة، من شهاداتٍ تائهة، ومن صورٍ قديمة تحمل ابتسامته الغامضة، كمن كان يعرف مسبقًا أن الحقيقة تحتاج إلى وقتٍ أطول لتخرج من تحت الركام.
العالم الثالث الذي لم يولد بعد
كان بنبركة من أوائل من تحدثوا عن “العالم الثالث” لا بوصفه كيانًا جغرافيًا، بل كهويةٍ سياسية جديدة.
كان يرى أن الفقر والتبعية ليست قدرًا، وأن الشعوب التي خرجت من الاستعمار، يمكن أن تبني تحالفًا ثقافيًا واقتصاديًا بديلاً عن الاستقطاب بين الشرق والغرب.
لهذا، كان مؤتمر هافانا المنتظر سنة 1966 بالنسبة له أهم من أي انتخابات أو انقلاب.
كان مؤمنًا بأن المستقبل يُصنع في الجنوب، لا في عواصم الإمبراطوريات.
لكن القدر، أو ربما البشر، لم يُمهلوه أن يشهد ميلاد ذلك العالم الثالث الذي حلم به.
اختفاؤه جاء قبل المؤتمر بشهور قليلة، وكأنّ اغتياله كان اغتيالًا للفكرة قبل أن تولد.
بعد ستين سنة… ماذا تبقّى؟
بعد ستين عامًا من الغياب، لا تزال القضية مفتوحة على احتمالاتها.
لا قبور تُزار، لا وثائق مكتملة، ولا اعتذار رسمي من أي جهة.
الملف صار ذاكرة مشتركة بين المغاربة والفرنسيين والحقوقيين وكل من يؤمن بأن العدالة لا تسقط بالتقادم.
لكن السؤال العميق لم يتغير: هل يمكن لدولةٍ أن تبني مصالحةً مع نفسها دون أن تواجه أشباحها؟
هل يمكن للمغرب أن يُطوي صفحة الماضي من دون أن يقرأها كاملة؟
ربما الجواب لا يوجد في الملفات القضائية ولا في التقارير، بل في ضمير الجيل الجديد الذي يقرأ اليوم قصة المهدي بنبركة لا كأحداثٍ من الماضي، بل كدرسٍ في الحاضر:
أن الحرية ليست هدية، وأن قول الحقيقة ثمنه غالٍ دائمًا،
وأنّ التاريخ، مهما تأخّر، لا ينسى الذين حاولوا كتابته بصدق.
ستون سنة، وما زال اسم المهدي بنبركة يهمس في ذاكرة الشعوب التي أحبها:
أن لا أحد يختفي تمامًا حين يكون في صفّ الحقيقة.





https://shorturl.fm/mMFEd