الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعرياضة

الراحل الذي لم يغادرنا: حسن عسيلة في ذاكرة المحمدية والمغرب

مرت سنتان وأسبوعان على رحيل حسن عسيلة...

ضربة قلم

حسن لم يرحل فعليًا. هناك من يختفون من مقاعد الحافلة أو من مقاعد البدلاء، وهناك من يظلون واقفين في ذاكرتنا، كأنهم يرفضون صافرة النهاية. حسن عسيلة، اللاعب، الإنسان، الأسطورة الصامتة، لا يزال بيننا بصورته التي لا تبهت، بحضوره الذي لا يغيب، وبمسيرته التي لا تشيخ.
ولد حسن أمشراط، المعروف كرويًا بلقب “عسيلة”، في مدينة المحمدية سنة 1948، التي ستظل مرتبطة باسمه كلما ذُكرت الكرة النظيفة، والروح الرياضية العالية، والحب غير المشروط لقميص واحد. لم يُغيّر النادي، لم يركض خلف عقود خارجية، لم يبحث عن أضواء مصطنعة أو عن مجد سريع الزوال. ارتدى قميص شباب المحمدية فكان جزءًا منه، لا مجرد لاعب ضمن تشكيلته. كان وجدانًا يتحرك فوق العشب الأخضر، ومبدأ يمشي على قدمين.
في زمن كانت فيه الكرة شغفًا لا مهنة، وولاءً لا صفقة، كان عسيلة يمثّل الصفوة النادرة. لا يركض فقط ليسجل أو يصنع الأهداف، بل ليُفرح جمهورًا، ويُرضي ضميرًا، ويُكرم تاريخًا. تميّز بأسلوب لعب ذكي، رشاقة ممتزجة بحدة، حس تهديفي قلّ نظيره، ومهارات هجومية تتحدى دفاعات الخصم بالحيل أكثر من القوّة.
مثل المنتخب المغربي في قرابة أربعين مباراة دولية. كانت كل مباراة له فرصة أخرى ليعبّر عن حبّه للقميص الوطني. سجّل أهدافًا، صنع أخرى، لكنه قبل كل شيء كان يلعب وكأنه يحمل شرف البلاد على ظهره، لا رقمًا على ظهر القميص.
شارك في كأس إفريقيا للأمم، وكان أحد ركائز التتويج التاريخي سنة 1976. لم يكن اسمه دائمًا على لائحة الهدافين، لكن كان دومًا حاضرًا بروحه، بنبضه، بتحفيزه لزملائه، وبتواضعه الذي كان أعظم من كل ما قد يُدوَّن في الإحصائيات.
ومع ناديه شباب المحمدية، كتب فصلًا مجيدًا من فصول الكرة الوطنية. قاد الفريق إلى ألقاب مستحقة، وكان هدّاف البطولة، وواحدًا من أبرز الوجوه التي غيّرت من صورة فريق يُنظر إليه على أنه عادي، فجعلوه كبيرًا في أعين الجميع.
لكن حسن عسيلة، رغم كل هذا البريق الكروي، لم ينسَ أن يكون إنسانًا. في زمن كان يُمكن له أن يتحول إلى نجم مغرور، اختار أن يكون رجلًا متواضعًا. عفّ عن الأضواء، وسكن البياض. كان بإمكانه أن يسلك دروب الشهرة، لكنه اختار أن يسلك درب الاحترام.
لم يعرف الناس عنه سوى الصمت والوقار، وحتى حين داهمه المرض، لم يشكُ. وحين قصّر الزمن في منحه التقدير الذي يستحقه، لم يعاتب. عاش بسيطًا، نظيف اليد، عزيز النفس، ومات كما عاش: شامخًا في تواضعه، كبيرًا في انسحابه، هادئًا حتى في وداعه الأخير.
رحل عسيلة دون ضجيج. لم تبكِه القنوات، لكن بكته القلوب. لم تكتب عنه المانشيتات، لكن كتب عنه التاريخ. لم يُكرم كما ينبغي في حياته، وربما لن يُكرم حتى بعد وفاته كما يستحق، لكن يكفيه أن محبيه يذكرونه بخشوع، ويستعيدون صورته كما لو كانت بالأمس.
ليس سهلاً أن تجد لاعبًا لا يُختلف عليه، لا في أخلاقه، ولا في موهبته، ولا في إخلاصه. حسن عسيلة كان ذلك النموذج النادر، الذي اجتمع عليه المختلفون، وبقي محل إجماع حتى بعد الرحيل.
في الذكرى الثانية لوفاته، لا نملك إلا أن نُحيي صموده، ونلعن النسيان.
فالرجال الحقيقيون لا يموتون حين يوارَون التراب، بل حين يُنسَون…
وعسيلة لم يُنسَ، ولن يُنسى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.