
ضربة قلم
لم تكن الرباط، هذا الأحد، مجرد عاصمة إدارية هادئة تُحصي خطوات المارة بين الأرصفة… بل تحولت إلى نبض حيّ يهتف، إلى شريان بشري يمتد من باب الأحد إلى قلب المدينة، حاملاً قضية لا تموت: فلسطين.
في مشهد كثيف بالرمزية، خرج الآلاف، لا بدافع العادة، بل بدافع شيء أعمق… شيء يشبه الوفاء المتجذر في الذاكرة الجماعية. دعوة “مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين” لم تكن مجرد إعلان لمسيرة، بل كانت أشبه بنداء داخلي استجاب له مغاربة من كل المشارب: حقوقيون، نقابيون، سياسيون، ومواطنون عاديون… لكنهم في تلك اللحظة، كانوا شيئًا واحدًا: صوتًا موحدًا.
هذه المسيرة لم تأتِ من فراغ. تزامنها مع يوم الأسير الفلسطيني لم يكن صدفة، بل اختيارًا محمّلًا بالدلالات. وكأن الشارع المغربي أراد أن يقول إن الأسرى ليسوا أرقامًا خلف القضبان، بل وجوهًا حية في الوعي، وقضية مفتوحة في الضمير. أما الحديث عن قانون إعدام الأسرى، فقد صب الزيت على نار الغضب، وحوّل المسيرة إلى ما يشبه محاكمة شعبية لسياسات تُوصف هنا بأنها تجاوز لكل الخطوط.
لكن الحدث لم يتوقف عند حدود التضامن الكلاسيكي. كان هناك شيء آخر في الجو… شيء يتجاوز الشعارات المألوفة. حين ارتفعت تلك اللوحة الضخمة، “التيفو”، لم تكن مجرد قطعة قماش، بل رسالة مركزة: “مغاربة الهوية، المسرى والأسرى قضية”. وفي قلبها صورة حكيم زياش، اللاعب الذي تحوّل، في لحظة ما، من نجم كرة قدم إلى رمز موقف. حضوره في المسيرة، ولو عبر صورة، لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل تجسيدًا لفكرة أن الكلمة قد تأتي أحيانًا من خارج السياسة… لكنها تُسمع أكثر.
المسار كان مألوفًا: من باب الأحد إلى شارع محمد الخامس، وصولًا إلى محطة الرباط المدينة. لكنه، هذه المرة، بدا كأنه رحلة رمزية من الصمت إلى الصوت، من الترقب إلى التعبير. كل خطوة كانت تقول شيئًا، كل شعار، كان يحمل ما يشبه الغضب النبيل.
أما الكلمات التي صدحت من قلب المسيرة، فكانت واضحة بلا مواربة: رفض، إدانة، وتضامن بلا شروط. حديث المنظمين والفاعلين لم يكن مجرد تصريحات عابرة، بل تأكيد على أن هذه القضية ما زالت حاضرة بقوة في الوجدان المغربي. من الحديث عن المسجد الأقصى، إلى أوضاع الأسرى، وصولًا إلى انتقاد صمت دولي يُنظر إليه كنوع من التواطؤ… كانت الرسائل متعددة، لكنها تصب في اتجاه واحد.
وفي خلفية كل ذلك، كان سؤال غير معلن يتردد: إلى متى؟
المثير في هذا المشهد ليس فقط حجمه، بل استمراريته. فالمغاربة، كما بدا اليوم، لا يتعاملون مع القضية الفلسطينية كخبر عابر في نشرة المساء، بل كجزء من تعريفهم لأنفسهم. شيء يشبه الثابت الذي لا يتغير، مهما تغيرت السياقات.
وهكذا، انتهت المسيرة… أو ربما لم تنتهِ. لأن ما حدث في شوارع الرباط، لم يكن مجرد حدث عابر، بل فصل جديد من حكاية طويلة، يصرّ فيها الشارع على أن يكتب موقفه بصوت مرتفع… حتى يُسمَع.




