الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

الربيع الأمريكي: حين لبست الثورات العربية عباءة العم سام

ضربة قلم

حين انفجرت أولى الصرخات في تونس، بدا أن شيئًا جديدًا يولد، ثورة من الناس للناس، لا حزب يقودها، ولا زعيم يعلو فوق موجتها. خرج الشارع دون إذن، واهتزت أنظمة كانت تظن نفسها خالدة. بدا كل شيء طبيعيًا، عفويًا، شعبيًا. لكن وسط الدخان المتصاعد من الميادين، كانت هناك أيادٍ تُصفق وأخرى تُخطط. ربيع عربي؟ ربما. لكنه في جانب من جوانبه، كان ربيعًا أمريكيًا بامتياز. أمريكا لا تصنع الثورات، لكنها تعرف جيدًا كيف تلتقطها، تُحرف مسارها، تركب موجتها، ثم تعيد بيعها بوصفة ديمقراطية جاهزة. في واشنطن، لم يكن الارتباك كبيرًا، لأن الأمر كان متوقعًا. تقارير مراكز الدراسات الأمريكية تحدثت منذ سنوات عن هشاشة الأنظمة العربية، عن غليان اجتماعي تحت الرماد، عن شباب بلا أفق، وعن فرص تغيير قادمة، كان فقط المطلوب انتظار اللحظة المناسبة. وعندما جاءت، لم يتردد أحد.
بدأ الدعم يتدفق على منظمات المجتمع المدني، بعضها نزيه، وبعضها مفبرك على عجل. فُتحت أبواب السفارات، واستُدعي “المناضلون الجدد” إلى ورشات تدريب في بلدان أوروبية، تعلّموا فيها كيف يُنظّم الحراك، كيف تُدار الاحتجاجات، وكيف يُسَوّق الخطاب الديمقراطي بطريقة تبدو محلية، لكنها مصمّمة بعناية في غرف واشنطن الخلفية. في زحمة الشعارات والتصريحات التي عمّت وسائل الإعلام، ظهر “الربيع العربي” كحلم جميل للحرية والكرامة، موجة هبّت من أعماق الشعوب بعد عقود من القمع والاستبداد. لكن ما يكاد يخفيه هذا السرد الرسمي هو حقيقة أكثر تعقيدًا ومرارة، تتعلق بيد خفية صنعت هذا الربيع، وألبسته رداءً مزخرفًا لا يليق بأصالته، رداءً أمريكيًا ملوّنًا، مُنسّقًا بعناية ليخدم أجندات أكبر من مطالب الشعوب.
الربيع العربي، في جوهره، لم يكن وليد صدفة عفوية وحسب، بل جاء بعد سنوات من التخطيط والاستخبارات، استغلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية هشاشة الأنظمة العربية ونقاط ضعفها لتعيد رسم خارطة المنطقة على مقاس مصالحها الاستراتيجية. فبعد أن كانت المنطقة لسنوات عصيّة على التغيير، سرعان ما تحولت التظاهرات السلمية إلى موجة عارمة، تلتها تدخلات داخلية وخارجية، وتحالفات مشبوهة صنعت حالة من الفوضى المنظمة. لا يمكن فهم الربيع العربي بمعزل عن الدور الأمريكي، الذي استغل شعارات الحرية والديمقراطية لتبرير تدخّلاته، والتي لم تكن بالضرورة لصالح شعوب المنطقة. لقد استثمرت واشنطن في دعم قوى ونخب جديدة عبر مؤسسات المجتمع المدني الممولة، وبرامج التدريب والتأهيل التي قدمتها عبر سفاراتها، وفي الوقت نفسه، استغلت الاضطرابات لتقوية قواعدها العسكرية والاستخباراتية، وتحقيق مكاسب جيوسياسية مثل إعادة ترتيب العلاقات مع دول الخليج، وفرض شروط جديدة على إيران، بل وحتى خلق فرص جديدة لصناعة السلاح وبيعه.
في ليبيا، كان الربيع الأمريكي الأكثر وضوحًا؛ حيث تحولت الدعوة للحرية إلى حرب وحشية أزهقت أرواحًا كثيرة، وخلّفت بلدًا في حالة من الانهيار والتقسيم. في سوريا، تحولت الثورة السلمية إلى نزاع دموي معقد، بتمويل ودعم جهات متعددة، والولايات المتحدة لم تكن إلا أحد اللاعبين الكبار في هذا الصراع، حيث دعمت بعض الفصائل، وأشرفت على حملات عسكرية تهدف إلى تحقيق أهدافها الخاصة، بعيدًا عن مسار شعوب المنطقة. حتى في تونس ومصر، حيث بدا الربيع أكثر صفاءً وعفوية، لم تكن الولايات المتحدة بعيدًا عن المشهد. فقد سخرت خبراتها في التواصل الإعلامي، ودعمت أحزابًا سياسية جديدة، ووجهت صناديق التمويل إلى تلك التي تتوافق مع مصالحها، فأُعيد تشكيل الطبقة السياسية على قواعد جديدة، لكن دون تغيير حقيقي في بنية السلطة التي لا تزال متشابكة مع مصالح الغرب.
الرداء الأمريكي الذي لبس الربيع العربي جعل من الاحتجاجات مسرحًا لإعادة التوازنات الدولية، وحوّل شعارات الحرية إلى أدوات تفاوض في صفقات كبرى، منها ما يتعلق ببيع الأسلحة، ومنها ما يتعلق بالتحكم في الموارد والطاقة. فبدل أن يكون الربيع حدثًا شعبيًا نقيًا، صار مجرد ذريعة لتغيير أنظمة وفق أهواء القوى العظمى، مع تجاهل تام لتطلعات الشعوب الحقيقية. لكن، ما يجعل هذا الرداء الأمريكي باهتًا وغير مستدام، هو مقاومة الشعوب التي ما زالت تعيش آثار الاضطرابات، وتعاني من تبعات السياسات المفروضة. فالاحتجاجات مستمرة في أكثر من بلد، والشعوب ترفض أن تُصبح أدوات في يد الغير، وتطالب بسيادة حقيقية وعادلة، لا تُلبسها عباءة مزيفة باسم الحرية.
في النهاية، يبقى السؤال: هل كان الربيع العربي حقًا ثورة الشعوب، أم فصلًا جديدًا من فصول التوسع الأمريكي المزخرف برداء الديمقراطية؟ وهل ستنجح الشعوب في خلع هذا الرداء، لتصنع بأنفسها فصولها القادمة؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن الحقيقة تبقى أن لا حرية حقيقية تُصنع بالوكالة، ولا استقلال يُهدى كهدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.