
ضربة قلم
حين أعلنت شركة كوكاكولا عن شراكتها الإشهارية الجديدة مع نادي الرجاء الرياضي، ظنّ البعض أن المسألة ستُمرّر كما تمرّ كل الصفقات التجارية في صمت. لكن من نسي جمهور الرجاء، نسي أن هذا الجمهور ليس مجرد «مستهلك لكرة القدم»، بل ضمير حيّ له رأي في الوطن والسياسة والكرامة، تمامًا كما له رأي في تشكيلة المدرب والتحكيم.
فما إن انتشر خبر الشراكة، حتى تحوّلت المنصات الاجتماعية إلى خلية نقاش بين الجماهير الخضراء، حيث ارتفعت أصوات رجاوية تدعو إلى الاستمرار في مقاطعة كوكاكولا، معتبرة أن «الصفقة لا يجب أن تمرّ على حساب المبدأ»، خصوصًا في ظل الاتهامات القديمة بدعم الشركة لإسرائيل.
والراية الفلسطينية التي ترفرف في مدرجات “الوازيس” و”دونور” منذ عقود لم تكن يوماً للزينة، بل قسم وفاءٍ لجماهير تعتبر فلسطين جزءًا من هويتها.
جمهور الرجاء… حيث تلتقي الوطنية بالعروبة
ليس غريبًا على جمهور الرجاء أن يتصدر واجهة المواقف. فمن يرفع شعار:
“فلسطين قضية وطنية”
وهو يصدح بها من قلب الدار البيضاء، لا يمكن أن يتجاهل خيط التطبيع التجاري أو الرمزي مهما بدا خفيفًا.
الرجاويون، الذين طالما حيّوا جنود الصحراء المغربية في أغانيهم، لا يرون تعارضًا بين حب الوطن والوحدة الترابية ونصرة فلسطين؛ بل يرون أن القضيتين وجهان لمعركة واحدة ضد كل أشكال الاستعمار والهيمنة.
ولذلك، حين وقّعت إدارة النادي الأمس عقد الرعاية مع كوكاكولا، شعر الكثيرون أن النادي دخل «منطقة رمادية»، وأن الخط الفاصل بين الدعم المالي والاصطفاف الأخلاقي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا.
كوكاكولا والكرة المغربية: إعلان في زمن الحساسية
الشركة العالمية كوكاكولا، في سعيها لاستعادة حصتها السوقية بالمغرب بعد موجة المقاطعة، اختارت الرجاء والوداد كمنصتين دعائيتين قويتين.
لكن ما لم تدركه هو أن الجمهور المغربي، وخاصة جمهور الرجاء، لا يبتلع الرسائل الإشهارية بسهولة.
ففي زمن الوعي الرقمي، أي خطوة تجارية ذات رائحة سياسية تُفكّك وتُحلّل وتُواجه.
الرجاويون اعتبروا أن هذه الشراكة خطأ في التوقيت والمعنى:
كيف لنادٍ طالما مثّل صوت الكادحين والمهمشين والمستضعفين، أن يرتبط بعلامة تجارية متهمة بدعم كيانٍ يحتل أرضًا ويقتل الأبرياء؟
كيف يمكن لمن صنع نشيد «رجاوي فلسطيني» أن يضع على لائحة مموليه شعار شركة مثيرة للجدل في هذا السياق؟
المدرج الأخضر.. البرلمان الحقيقي
المدرجات الرجاوية لطالما كانت منبرًا حرًا لا يخضع للرقابة ولا للمجاملات.
فمنها خرجت رسائل سياسية واجتماعية مدوية:
-
ضد الفساد،
-
ضد الظلم،
-
ضد الغلاء،
-
ومع فلسطين دومًا.
الأغنية الشهيرة «رجاوي فلسطيني» لم تكن مجرد إبداع فني، بل كانت إعلان انتماء.
وفي لحظة الشراكة مع كوكاكولا، عاد الجمهور ليذكّر الإدارة أن الرجاء ليس مجرد شركة تبحث عن الربح، بل مؤسسة رمزية تنتمي لشعبٍ له ذاكرة وكرامة.
بعض المناصرين كتبوا بوضوح:
«الرجاء نادٍ شعبي، ماشي لوحة إعلانات لأي ماركة كيفما كانت!»
فيما دعا آخرون إلى حملات رمزية داخل المدرجات كرفع الأعلام الفلسطينية أو مقاطعة منتجات الشركة داخل الملاعب.
الرجاء ليس للبيع…
ما يميز جمهور الرجاء عن غيره أنه لا يفصل بين الكرة والموقف.
حين يغني المشجع في “الكورفا سود” فهو لا يهتف فقط لتشجيع اللاعبين، بل للتعبير عن وعي جماعي يرى أن القميص الأخضر له تاريخ من النضال الشعبي، وأن كل صفقة تُبرم دون اعتبار لهذه القيم، هي صفعة للذاكرة نفسها.
من هنا جاءت ردود الفعل الغاضبة والمتزنة في الآن نفسه:
رفض، لكن دون تهور؛ مقاطعة، ولكن بمرافقة الوعي.
الرجاويون لا يهاجمون ناديهم بقدر ما يذكّرونه بأن الرجاء فكرة قبل أن تكون مؤسسة، وأن الانتماء لا يُقاس بعدد الرعاة بل بعدد المبادئ التي يصمد من أجلها النادي.
بين المال والمبدأ: اختبار جديد للرجاء
الواقع أن الشراكة مع كوكاكولا وضعت إدارة الرجاء في موقف حرج.
فالنادي يحتاج بشدة إلى موارد مالية لتسيير الموسم، ولكن في المقابل، جمهوره يطالبه بالوضوح الأخلاقي.
المعادلة صعبة، لكن ما يجعل الرجاء عظيماً هو قدرته على تصحيح مساره حين يُخطئ، بفضل جمهوره الذي لا ينام.
إنها ليست أول أزمة، ولن تكون الأخيرة، لكن التاريخ يقول إن الرجاء عندما يبتعد قليلاً عن نبض جمهوره، يعود سريعًا إليه.
فالجمهور ليس معارضًا، بل حارس هوية.
فلسطين في المدرجات… والوحدة الترابية في القلوب
منذ سنوات، يُرفع العلم الفلسطيني إلى جانب العلم المغربي في مباريات الرجاء داخل وخارج البلاد.
في الدار البيضاء، في تونس، في الجزائر، وحتى في فلسطين نفسها، ظلّ شعار الرجاء حاضرًا، كرمزٍ لمغاربة يرون في فلسطين مرآة لقضيتهم الوطنية في الصحراء المغربية.
الرجاوي الحقيقي يؤمن أن الدفاع عن وحدة التراب المغربي هو دفاع عن العدالة، كما أن دعم فلسطين هو دفاع عن المبدأ.
ولهذا فإن الشعار الذي يردده الكثيرون في المنصات اليوم:
«ماشي ضد النادي، ولكن ضد التطبيع التجاري»
يلخّص روح الرجاء الجماعية: وعي، احترام، وانتماء لقيم الحرية والكرامة.
خاتمة: الرجاء أكبر من الإشهار
كوكاكولا قد تكون شركة من رعاة الفريق، لكنها لا تستطيع شراء القلوب.
وجمهور الرجاء، الذي تعلّم أن يحوّل مدرجاته إلى منابر فكرٍ ونبض وطن، أثبت مرة أخرى أنه ضمير الشعب في الملاعب.
ففي زمن التناقضات، يبقى الجمهور الأخضر وفيًا لخطٍّ أخلاقيّ لا يتغيّر:
“الرجاء للكرامة… لا للإهانة، لا للتطبيع، ولا للمساومات.”
الكرة ستُركل غدًا كما كل يوم، لكن ما سيبقى هو موقف الجماهير.
ومتى ما نسيت الإدارات أن الرجاء فكرة قبل أن تكون صفقة، سيُذكّرها المدرج الأخضر بأن الرجاء تُباع في التذاكر، لا في المبادئ.




