الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الرجل المغربي “حبيب المرأة” حتى حين لا تريده كذلك

ضربة قلم

في مغرب القرن الحادي والعشرين، ما زال الرجل المغربي ـ ولسوء حظ الحكاية ـ يقف على الرصيف يلوّح بعَينين دامعتين للقطار الذي اسمه “حقوق المرأة”، والذي غالبًا ما يُطالبه بالقفز فوق عرباته المتحركة، دون أن يُسمح له حتى بشراء تذكرة.

ظلّ الرجل المغربي، على مر العقود، يدعم المرأة المغربية في نضالها من أجل تحقيق المساواة، لا كمجرد متفرّج، بل كشريك، أو كما يُقال الآن بلغة العصر: كـ”حليف”. شاركها الشارع، ووقع العرائض، ووقف معها أمام البرلمان، بل وتحمل، أحيانًا، صمتًا غير بريء في المجالس العائلية وهو يستمع لحديث حول ضرورة تقسيم الإرث بالتساوي، لا لشيء، سوى لأنه يعلم أن الاعتراض قد يُفهم كرجعية، والموافقة قد تُحسب عليه إن جاعت جيوبه لاحقًا!

ثم جاءت مدونة الأسرة الجديدة (أو نسخة 2024.1 كما يحب البعض تسميتها)، وهنا بدأت ملامح الحكاية تتغير. فبينما كانت تعديلات المدونة تمطر بالورود على الحقوق النسائية، شعر بعض الرجال، ولأول مرة، أن الأمر خرج عن كونه مساواة، ودخل إلى حقل “التجريب الاجتماعي”، وكأن الرجل المغربي أصبح في المختبر كبذرة طماطم مُعدّلة جينياً، يُراد اختبار مدى تحمّله لتغيّرات قوانين لم يُستشر فيها كثيرًا، وإن قيل له إن اسمه ذُكر في المقدمة!

بعض هؤلاء الرجال، مع كامل احترامنا لحقّ الجميع في التعبير، بدأوا يتساءلون: هل ما يجري هو فعلاً نضال نسوي صادق؟ أم أنه فقط “ثأر تاريخي ناعم”، تقوده فئة من النساء اللواتي لا يُرِدن المساواة بقدر ما يُرِدن القصاص من الرجل المغربي، المتهم الأبدي في قفص الاتهام؟

الغريب أن أكثر الأصوات حدة في هذا النقاش ليست، كما يُعتقد، تلك النساء الناجحات في حياتهن الأسرية، أو اللواتي أنجبن أجيالاً تُفاخر بها في المجتمعات، بل في أحيان كثيرة، تأتي الأصوات الأعلى من فئة مُحددة جداً، وسنسمّيها بلغة دبلوماسية: “نساء محترفات البلاغات، هوايتهن إصدار التحريمات النسوية”، وكأنهن جمعيات سرية تتناوب على كتابة نفس البيان مرة في الأسبوع، مع تحديث طفيف في القشور.

وغالباً ما يُلاحظ أن هؤلاء النسوة ينتمين لنفس الطيف: بعضهن خضن تجربة زواج فاشلة، أو لم يخضنها أصلاً، وبعضهن لم يلتقين رجلًا إلا في قاعة الندوات، حين طُلب منهن أن يُلقين خطابًا بعنوان: “لماذا الرجل المغربي ليس أهلاً للحب أو الزواج أو الشراكة أو حتى لصنع القهوة“.

ولأن لا شيء أقسى على الخطاب من تناقضه، تجد بعض هؤلاء النسوة يتحدّثن عن احترام الرجل، ثم يختمْن مداخلتهن بدعوة رمزية لإلغاء وجوده من المنظومة الأسرية أصلاً، وكأن الرجل في نظرهن مجرد قطعة أثاث زائدة في بيت مغربي معاصر.

بالطبع، لن ندخل في النيات. ولا نحاكم التجارب الفردية. ولكن من واجبنا أن نذكّر بأن النضال من أجل المساواة لا يجب أن يكون مناسبة لتصفية الحسابات مع الرجل كمفهوم، أو تحويل حقوق المرأة إلى “ماركة سياسية”، تسوّقها بعض الأصوات لأغراض شخصية أو إعلامية أو انتخابية أحيانًا.

نعم، الرجل المغربي ليس ملاكًا، وقد ارتكب، كمجتمع، أخطاءً فادحة في حق المرأة. ولكن، في المقابل، ليس من الإنصاف أن يُطلب منه أن يكون المذنب والضحية والجلاد والمموّل في آنٍ واحد. لا يمكن أن نطالبه بأن “يفهم المرأة ويقف معها”، ثم حين يتكلّم يُقال له: “اصمت، هذه ليست معركتك“.

أليس من الأفضل أن نعود إلى طاولة الحوار، تلك التي كانت ذات يوم، قبل سنوات الفيسبوك والهاشتاغات، تجمع الرجل والمرأة في شرفة البيت المغربي البسيط، حيث كانت الجدات تفهمن المساواة بالفطرة: “اللي يخدم ياكل، واللي يحترم يُحترم”؟

وختامًا، عزيزي الرجل المغربي، لا تيأس. قد لا تكتب البلاغات، ولا تُجيد التحريمات، لكنك كنت دائمًا هناك: تفتح الباب لزوجتك بعد يوم عمل، تغسل الصحون، تذاكر لأبنائك، وتُهدي وردة لامرأة تعبت في كواليس الحياة. أما أنتِ، سيدتي، التي ما زلتِ تؤمنين بالشراكة لا الصراع، وبالاحترام المتبادل لا التصنيف الأيديولوجي: فأنت من يستحق التقدير، بعيدًا عن ضجيج من “لا شغل لهن” إلا إصدار بلاغات نهاية الأسبوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.