مجتمع

الرصيف ممنوع على الراجلين… مرحبًا بكم في مملكة الكراطات والسيجارة!

ضربة قلم

في مدننا السعيدة – أو لنقل “المتساهلة حدّ الانفجار” – لم يعد الرصيف ذاك الفضاء الممنوح لكائن يُدعى “الراجل”، الذي يمشي على قدميه متفاديًا السيارات، بل أصبح مؤسسة مستقلة، جمهورية موازية، عصيّة على التنظيم، فيها قانونها وعُرفها وسلطاتها التنفيذية… وإذا حالفك الحظ بالوصول إلى الرصيف، فأغلب الظن أنك لن تصل حيًّا إلى نهايته.

الرصيف في هذه المدن ليس مكانًا للمشي، بل متحفًا حيًّا لفوضى الوطن. بائع متجول يُفترش البطيخ والسروال، متشرد نائم منذ أيام على “كارتونة” تفيض برائحة البؤس، كراسي بلاستيكية لمالك مقهى أقسم أن لا يُبقي شبراً واحداً خالياً من رماد السجائر، وعربة الشواء تشتغل -دون “إيزو” أو رخصة مصلحة حفظ الصحة،- على الفحم وتُدخِّن السكان قبل أن تُدخِّن الكفتة.

تمشي أنت، المواطن المقهور، على حافة الموت أو في منتصف الشارع، تحاول أن لا تصطدم بطفل يلعب الكرة فوق قنينة مكسورة، أو بكهل يصرخ “عندك ما تبغيش الخير لهاذ الوليدات” لأنك رفضت شراء قارورة ماء دافئة بخمسة دراهم. تحاول أن تُمارس أبسط حقوقك البيولوجية، وهو المشي، فيكتشف جسدك سريعًا أنه لا ينتمي إلى هذه الأرض، بل يجب أن يتأقلم مع السير على رؤوس السيارات المتوقفة فوق الأرصفة، أو القفز مثل غزال بين جُزر الإهانة.

والبلدية؟ آه يا سيدي، البلدية تشتغل ليل نهار على “مشاريع مهيكلة”، أي تهيكل الجحيم أكثر. يقتلعون الرصيف كل ستة أشهر ويزرعون مكانه نفس البلاط المائل، ويُقيمون حفلاً بالمناسبة، كأنهم اكتشفوا النار. أما الأمن الحضري، فمشغول بتحرير محاضر للكلاب الضالة لأنهم لم يصرّحوا بعنوانهم الكامل ولم يدفعوا “الضريبة على النباح”.

تُركت المدن للرُّصيف، وتُرك الرصيف للعشوائية، وتُرك الإنسان وحيدًا، يمشي مثل اللاجئ في أرض ليست له، يتفادى المتشردين كأنهم أشباح، ويتفادى الباعة كأنهم ألغام، ويتفادى الشرطة كأنهم كوابيس.

في المدن المتحضّرة، الرصيف هو ملكية عامة. عندنا، هو سوق عشوائي، غرفة نوم، ملهى شعبي، مجمّع تجاري، وحتى فضاء لعب للأطفال الذين لا يفرقون بين الرصيف وقاعة الولادة، فكلاهما لا يستقبلهم بود.

البلاد اختارت أن تتسع للفوضى، وتضيق على الإنسان. وبدل أن ترفع رأسك لتتأمل العمارات، صرت تخفض رأسك لتتفادى قنينة مكسورة، أو فخذ دجاجة على صينية الصدأ، أو سطل ماء تغسل به بائعة النعناع أرجلها في وضح الازدحام.

نحن لا نريد مراكز تجارية عملاقة، ولا جسورًا مُعلقة مثل حبال المشانق. نحن فقط نريد أن نمشي… أن نمشي دون أن نعتذر… أن نمشي دون أن نستعير أجنحة.

لكن يبدو أن الرصيف صار حلمًا مؤجَّلاً. ومن يدري؟ ربما ستقوم “الثورة” حين تُدهَس آخر قدم بشرية فوق رصيف يحتله شايُ النعناع والبصل اليابس، ويُغلقه كشكُ التسهيلات في وجه أحذية الوطن البسيطة.

هكذا تُصنع الكرامة في بلدٍ لا تمشي فيه الكرامة على الأرصفة، بل تزحف.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.