الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

 الرصيف يتحول إلى مرآة للسلوك: المحمدية تختبر معنى المواطنة اليومية

مصطفى مكري

في المحمدية، المدينة التي ارتبط اسمها يومًا بالجمال والهدوء وفضاءات الزهور، تتسلل إلى المشهد اليومي، تفاصيل صغيرة في حجمها، لكنها ثقيلة في معناها وأثرها. تفاصيل لا تصنع الحدث، ولا تستدعي العناوين العريضة، لكنها مع مرور الوقت تنخر صورة المدينة، وتفرغ الفضاء العام من روحه المشتركة. من بين هذه التفاصيل، تفرض ظاهرة البصق في الأماكن العمومية نفسها، كسلوك مألوف، حدّ الاعتياد المقلق.

في الشوارع الرئيسية والفرعية، في الأسواق الشعبية، عند محطات الحافلات، قرب الإدارات العمومية، أمام المقاهي، وعلى أرصفة الأحياء، بل وحتى بمحاذاة فضاءات تعرف اكتظاظًا بشريًا لافتًا، تتكرر هذه الممارسة، وكأنها فعل عابر بلا تبعات. غير أن تكرارها اليومي، يحوّلها من سلوك فردي معزول، إلى ظاهرة تعكس، خللًا أعمق في علاقتنا بالمدينة وبالمجال المشترك.

لم يعد الأمر استثناءً، بل صار قاعدة صامتة، وكأن الملك العمومي فقد رمزيته، أو كأن الفضاء العام أرض بلا حرمة، لا يربط ساكنها بها سوى العبور المؤقت. هنا يبرز السؤال المؤجل: كيف نفهم المواطنة في تفاصيلها اليومية؟ وكيف نترجم الانتماء إلى مدينة في أبسط السلوكات؟

فالبصق في الشارع أو السوق أو محطة النقل، ليس مجرد عادة سيئة أو تصرف غير لائق، بل هو اعتداء مباشر على الذوق العام، وعلى حق الآخرين في فضاء نظيف وسليم. الرصيف الذي نمشي عليه، والسوق الذي نتبضع فيه، والحي الذي نعيش داخله، ليست امتدادًا لمجالنا الخاص، بل ملكًا جماعيًا يفترض أن تحكمه قواعد الاحترام والمسؤولية المشتركة.

المثير للاستغراب أن السلوك ذاته، يرافق صاحبه أينما حلّ: من البيت إلى العمل، ومن السوق إلى المقهى، ومن الشارع إلى المرفق العمومي، وربما إلى المسجد. هنا لا يعود الأمر مرتبطًا بمكان بعينه، داخل المحمدية، بل بعقلية تفصل بين السلوك الفردي والانتماء الجماعي، وتتعامل مع المدينة، كفضاء مستهلك، لا ككائن حي يحتاج إلى العناية.

في عمق هذه الظاهرة، يلوح ضعف التربية المدنية، لا بوصفها درسًا مدرسيًا نظريًا، بل باعتبارها ممارسة يومية. فالمواطنة لا تُقاس بالخطب ولا بالشعارات، بل تُختبر في تفاصيل بسيطة: كيف نتصرف في الشارع، كيف نستعمل الرصيف، وكيف نحترم المكان الذي يجمعنا بالآخرين.

ومن الزاوية الصحية، يشكل هذا السلوك خطرًا حقيقيًا، خاصة في مدينة تعرف حركة دؤوبة وكثافة بشرية في أسواقها، ومحيط مؤسساتها التعليمية، وشوارعها التجارية، ومحطات نقلها. فالبصق يتناقض مع أبسط قواعد النظافة والوقاية، وتتعاظم مخاطره في فترات انتشار الأمراض، حيث يتحول الإهمال الفردي إلى تهديد جماعي.

أما رمزيًا، فإن التطبيع مع هذه الممارسة، يسيء إلى صورة المحمدية في عيون زوارها ووافديها، والأخطر من ذلك، في وعي أبنائها أنفسهم. فالمدينة لا تتشوه فقط حين يُنظر إليها من الخارج، بل حين يعتاد سكانها القبح، ويتعايشون معه بصمت، وكأنه قدر لا يُقاوم.

مواجهة هذه الظاهرة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل واجب جماعي. الأسرة معنية بغرس قيم احترام الفضاء المشترك، والمدرسة مطالبة بتربية مدنية عملية، لا شكلية، والإعلام المحلي مدعو إلى كسر الصمت بدل التطبيع، والجماعة الترابية والسلطات المعنية، مطالبة بتفعيل القوانين المرتبطة بالنظافة والصحة العامة، دون انتقائية أو تردد.

فالمدينة، في النهاية، ليست شوارع وأرصفة فقط، بل مرآة لسلوك سكانها. والمحمدية، بما تحمله من تاريخ ورمزية، تستحق من أبنائها سلوكًا يليق باسمها، ويعيد للفضاء العام معناه: فضاءً للجميع، ومسؤولية الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.