مجتمع

الرعب على الطريق بين كازا والمحمدية: حجر واحد يفصل بين الحياة والموت!

ضربة قلم

حادثة أخرى تُضاف إلى سجلّ طويل من العبث اليومي الذي يتكرر على طرقاتنا كما تتكرر نشرات الأخبار عن “مجهول” رمى حجارة، و”سائق نجا بأعجوبة”، و”طفل كاد أن يفقد حياته لولا لطف الله”.
القصة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها مأساة اجتماعية متشابكة، عنوانها الكبير: أين الدولة؟ وأين المجتمع؟ وأين التربية؟

حجر.. لكن بثقل الرصاص

زوال هذا اليوم، كانت أسرة مغربية عادية تقطع المسافة بين الدار البيضاء والمحمدية. الأب خلف المقود، الأم تراقب الطريق، والطفل الصغير في المقعد الخلفي يحاول الانشغال بلعبته البلاستيكية.
في لحظة خاطفة، ومن فوق أحد القناطر المهترئة بمنطقة سيدي مومن، انطلقت “حجرة” – لا أكثر – لكنها حملت نية القتل. انكسرت الزجاجة الخلفية، تناثر الزجاج في الهواء كأنها شظايا قنبلة، واستقرت الحجرة على بعد سنتيمترات من رأس الطفل.
الصدمة، الصراخ، والارتباك… مشهد لا يُمحى بسهولة من ذاكرة أسرة كانت بصدد العودة إلى المحمدية.

من نلوم؟

السؤال الذي يتكرر بعد كل فاجعة مشابهة: من نلوم؟
هل نلوم الأمن الذي ترك تلك “النقط السوداء” تتحول إلى مصائد للمارة؟
هل نلوم وزارة التربية التي فشلت في تربية جيل يعرف أن رمي الحجارة على السيارات ليس تسلية بل جريمة؟
أم نلوم الأسر التي أنجبت هؤلاء “المنحرفين الصغار” وتركتهم يتيهون بين أزقة الأحياء الشعبية بلا توجيه ولا قدوة ولا أفق؟

الحقيقة أن اللوم هنا يشبه الحصى نفسه: كل واحد يمكن أن يرميه في الاتجاه الذي يشاء.
لكن الواقع أن الجميع مسؤول، بدرجات متفاوتة، عن صناعة هذا “الوحش الصغير” الذي لا يجد لذة إلا في ترويع الآخرين.

أطفال الشوارع.. ضحايا أم جناة؟

لنكن صرحاء: أغلب هؤلاء الذين يرمون السيارات بالحجارة ليسوا “منحرفين بالفطرة”، بل نتاج منظومة مهترئة من الفقر والإهمال.
طفل ينشأ في حي مهمش، يرى أباه عاطلاً، وأمه مرهقة، ومدرسته بلا معنى، هل تنتظر منه أن يحلم بمستقبل مشرق؟
إنه يبحث عن لحظة “سلطة” مؤقتة، عن إحساس بالقوة، ولو برمي حجر صغير على سيارة فارهة تمر بسرعة، لتذكره أنه موجود.
بهذه البساطة المأساوية يُختزل الواقع الاجتماعي في ضربة حجر.


النقاط السوداء.. مناطق بلا ضوء

كم من مرة سمعنا عن هذه “النقط السوداء” في مداخل المدن، حيث تتكرر الجرائم نفسها بنفس السيناريو؟
نقطة بسيدي مومن، أخرى بعين السبع، ثالثة قرب البرنوصي، وكلها تشترك في شيء واحد: غياب المراقبة والردع.
الكاميرات غائبة، الدوريات نادرة، والليل هناك يبتلع كل شيء.
ولأن العقاب غائب، فإن الفعل يتكرر. الحجر اليوم، والسرقة غداً، والاعتداء بعده.
هكذا تتسلسل الحكاية في صمت، بينما يظل المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة أمنية معطوبة.

بين الأمن والتربية.. جبهة واحدة

لا يمكن للأمن أن يكون في كل مكان، لكن يمكن للتربية أن تكون في كل بيت ومدرسة وحي.
لو كانت المدرسة تقوم بدورها الحقيقي، لما خرج الأطفال من الصفوف حاملين حجارة بدل الأقلام.
ولو كانت الأسرة قادرة على الاحتواء، لما تركت أبناءها ليلاً يتسكعون في الأزقة ينتظرون “الضحية القادمة”.
ولأن التربية سقطت من يد الجميع، فقد تولى الشارع المهمة، بطريقته الخاصة.

حين تتحول الطرق إلى ساحات رعب

الطريق الذي يفترض أن يكون وسيلة انتقال آمنة، صار مسرحاً للرعب.
سائقون يعيشون تحت هاجس الحجارة الطائشة، وأمهات يخشين السفر ليلاً، وأطفال يصرخون من مجرد مرور تحت جسر.
هل هذا هو البلد الذي نحلم به؟ بلد يخاف فيه المواطن من جسر لا من عاصفة؟
بلد ينجو فيه طفل بأعجوبة من حجر، بدل أن يفرح بطفولته في أمان؟

إصلاح يبدأ من الأساس

الحل لا يكمن في القبض على فاعل واحد ونشر الخبر، بل في اقتلاع الجذور.
نحتاج إلى برامج اجتماعية حقيقية تعيد تأهيل هؤلاء القاصرين، لا فقط زجرهم.
نحتاج إلى أحياء منيرة لا تعيش على الهامش، إلى فضاءات ترفيهية تحرم الملل من أن يتحول إلى عنف، وإلى إعلام يزرع في العقول فكرة المواطنة بدل فكرة “الهروب من العقاب”.
كل حجر يُرمى اليوم هو رسالة استغاثة من جيل لم يجد من يسمعه.

كلمة أخيرة: الحجرة ليست سوى البداية

حادثة سيدي مومن ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة ما دام الإهمال سيد الموقف.
لكن إن لم نستيقظ اليوم، فستتحول الحجارة غداً إلى سكاكين، والسكاكين إلى أسلحة، والأسلحة إلى فوضى لا رجعة فيها.
الطفل الذي نجا اليوم بأعجوبة قد لا ينجو غيره غداً.
ولذلك، فقبل أن نلوم الأمن أو الآباء، علينا أن نلوم أنفسنا كمجتمع ترك “اللامبالاة” تصبح عادة وطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.