الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الرومانسيون المتأخرون… أولئك الذين يشيب الشعر في رؤوسهم وتبقى القلوب في أول الحب

م-ص

هناك بشر لا يعيشون الحب كحادث عابر، ولا كمرحلة اجتماعية، تنتهي بصورة زفاف وتعليقات الأقارب، بل يعيشونه كقدر طويل… كرحلة داخل الروح نفسها. أشخاص يتأخرون كثيراً في الوصول إلى الحب، ليس لأنهم عاجزون عنه، بل لأنهم يرفضون النسخ السريعة والمشاعر المعلبة والعلاقات التي تُبنى، كما تُبنى الصفقات الصغيرة: قليل من المجاملة، قليل من التنازل، ثم ينتهي كل شيء في صمت بارد.

هؤلاء هم الرومانسيون المتأخرون… أولئك الذين يمشون في الحياة بقلوب تشبه دفاتر قديمة، تحفظ الرسائل، وتؤمن أن للكلمات حرارة، وأن النظرة قد تكون وطناً، وأن صوتاً واحداً قادر على ترميم خراب سنوات كاملة.

إنهم يعيشون الحب، كما لو أنه صلاة سرّية لا يسمعها أحد…

يتأخرون كثيراً في الاعتراف، لكنهم حين يحبون، يمنحون قلوبهم كاملة دون حساب.

كثير منهم يكبرون وحدهم.
تمر السنوات، وتتبدل المدن، وتتغير الوجوه، بينما هم يظلون هناك… يحتفظون في الداخل بمراهقة عاطفية نبيلة لا تشيخ. قد يصبح أحدهم شاعراً، أو رساماً، أو كاتباً يختبئ خلف كتبه، أو موسيقياً يسكب عمره داخل نغمة حزينة، أو حتى شخصاً عادياً جداً يبدو هادئاً للناس، لكنه يحمل في داخله، بحراً كاملاً من العواطف المؤجلة.

هم لا يتأخرون عن الزواج لأنهم يكرهون الارتباط، بل لأنهم يبحثون عن شيء يشبه المعجزة الصغيرة.
يريدون حباً يشبه القصائد القديمة، لا الرسائل السريعة.
يريدون شخصاً يفهم الصمت قبل الكلام، ويشعر بالارتباك الجميل نفسه، حين تقترب يد من يد، أو حين يصبح الاسم الواحد قادراً على إرباك القلب طوال يوم كامل.

الرومانسي الحقيقي لا يحب كثيراً… لكنه حين يحب، يفعل ذلك بكل ما فيه.
لا يدخل العلاقات بخفة، ولا يغادرها بسهولة.
الحب عنده ليس تسلية مسائية، ولا وسيلة للهروب من الوحدة، بل حدث مقدس تقريباً، لذلك تجده يخاف أحياناً من الوقوع فيه، لأنه يعرف أن قلبه لا ينجو بسهولة.

ولهذا السبب بالذات، كثير منهم يتأخرون.
تراهم في الأربعين أو الخمسين أو حتى أكثر، وما تزال أرواحهم تتصرف بعذوبة شاب، في أول ارتباكاته العاطفية. قد يشتعل الشيب في رؤوسهم، لكن قلوبهم تبقى خضراء، كحديقة لم يمسسها الجفاف.

وحين يقع أحدهم في الحب، يصبح العالم مختلفاً.
يبدأ فجأة بالانتباه إلى تفاصيل لم تكن تعني أحداً:
لون السماء عند الغروب، رائحة القهوة، الأغنية التي كانت تمر عابرة، ثم صارت مرتبطة باسم شخص واحد، الشوارع التي تصبح أكثر دفئاً فقط ،لأن الحبيب مر منها ذات يوم.

هؤلاء يؤمنون بقدسية الكلمة.
يعرفون أن جملة واحدة، قد تُحيي إنساناً أو تكسره.
لهذا يكتبون الرسائل الطويلة، ويعيدون قراءة المحادثات القديمة، كما لو كانت مخطوطات أثرية، ويحفظون العبارات الصغيرة التي ينساها الآخرون بسرعة.

في داخل كل رومانسي متأخر، يعيش فنان ما، حتى لو لم يحمل لقب فنان.
ثمة حساسية زائدة تجاه العالم، تجاه الموسيقى، تجاه الحنين، تجاه فكرة الفقد نفسها.
إنهم الأشخاص الذين يبكون سراً، حين تنتهي رواية جميلة، والذين يشعرون بأن بعض الأغاني، كُتبت خصيصاً لهم، والذين يمكن لذكرى بسيطة، أن تعيدهم سنوات إلى الوراء في لحظة واحدة.

ربما لهذا السبب، يبدو هؤلاء غرباء وسط عالم سريع.
العالم الحالي يريد علاقات مختصرة، ومشاعر خفيفة، ونهايات سهلة، بينما هم ما يزالون يؤمنون، بأن الحب الحقيقي يشبه الأشجار الكبيرة: يحتاج وقتاً طويلاً لينمو، لكنه حين يرسخ جذوره، يصبح عصياً على الريح.

الرومانسيون المتأخرون لا يشيخون بالطريقة العادية.
قد تتعب أجسادهم قليلاً، لكن أرواحهم تبقى قادرة على الارتعاش بسبب رسالة، أو بسبب موعد، أو بسبب كلمة “اشتقت إليك” تُقال بصدق.

وحين تجد واحداً منهم، ستشعر غالباً أنك أمام إنسان من زمن آخر…
زمن كانت فيه القلوب أكثر صبراً، والكلمات أكثر نقاء، والحب أقل ضجيجاً وأكثر عمقاً.

إنهم آخر المؤمنين، بأن العشق ليس ضعفاً، بل شكل راقٍ من أشكال الشجاعة.
وأن الإنسان، مهما كبر، يمكنه أن يبدأ حياته من جديد، فقط لأن قلبه خفق بصدق ذات مساء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.