الزعيم الذي هزّ المنظومة… وترك للأجيال درساً لا ينسى

ضربة قلم
في شهر أبريل من سنة 1992، كان المغرب يعيش مرحلة دقيقة، اختلط فيها السياسي بالاقتصادي، والاجتماعي بالمؤسساتي، حتى صار الحديث عن الواقع العام يحمل في طياته كثيراً من المخاطرة. في تلك الفترة، خرج الزعيم النقابي نوبير الأموي في حوار لصحيفة “الباييس” الإسبانية، تحدث فيه بصراحة نادرة عن حالة البلاد، ووجّه نقداً مباشراً إلى ما سماه “المناقطية” داخل الحكومة، في توصيف حمل بعداً أخلاقياً وواقعياً، لم يكن كثيرون آنذاك مستعدين لسماعه أو لتحمّل تبعاته. وفي ذلك الحوار، وصف الحكومة بأنهم “جماعة ديال الشفارة”، وهو التعبير الذي ترجمته صحيفة الباييس إلى ما يقابله في الإسبانية بـ (المانغانتيس)، وهي كلمة تحتمل في العربية أكثر من معنى، من منحرفين إلى لصوص وغيرها، حسب سياق استعمالها.
وعندما سألت الضابطة القضائية المرحوم الأموي عمّا يقصده بهذ الكلمة، أجاب ببساطة: “أنا لا أجيد الإسبانية، ماذا تعني؟”. فلما عرضوا عليه الدلالات المتعددة، أجاب بجرأة لا تخلو من نبل، وقال: الشفارة!. وهكذا، أصبحت مفردة “المانغانتيس” منذ تلك المحاكمة على ألسنة المغاربة، ورددها جمهور الأموي من النقابيين والمحبين، كأنها صارت رمزاً لحقّ الكلام وشرعية النقد، في زمن كان الصمت فيه هو القاعدة.
وقد تحولت الكلمة، بعد سنوات، إلى شاهد يقيس مدى التراجع الذي عرفته حرية التعبير، ومدى ثمن الحقيقة، عندما تُقال في وقت لا يريد فيه أحد سماعها. كما أنها تذكّرنا بأن التاريخ لا يحفظ الألقاب ولا المناصب، بل يحفظ فقط أولئك الذين تجرؤوا على تسمية الأشياء بأسمائها، مهما كان ثمن ذلك.
ذلك الوصف البسيط في ظاهره، كان كافياً ليقود صاحبه إلى واحدة من المحاكمات الأكثر غرابة في تاريخ المغرب المعاصر، محاكمة حضرتها جموع من المحامين، حتى قيل إن عددهم بلغ نحو 1300، في لحظة كأنها فصل من فصول الصراع بين الحرية والخوف، بين القول والمسك، بين النقد وما لا يُقال.
ولعل ما يزيد الأمر دلالة، أن محامي الحكومة في تلك المحاكمة، كان الأستاذ محمد زيان، الرجل الذي كان آنذاك في موقع الدفاع عن السلطة، ليجد نفسه بعد سنوات في موقع المتهم، يقبع في السجن، في مفارقة قاسية تعكس مدى تقلبات السلطة، وما يمكن أن تفعله بالإنسان، حين يصبح جزءاً من آلة لا تُبقي ولا تذر.
ولنا يقين، ونحن نستعيد تلك اللحظات، أن كثيراً من وزرائنا الحاليين، وسفرائنا، وحتى بعض عمال الأقاليم، لا يتذكرون تلك الأيام، أو ربما لم يعيشوها، أو لم يدركوا حجم التحولات التي عرفتها البلاد، ولا معنى أن يُحاسَب شخص، لأنّه تحدث بصراحة، ولا معنى أن تُستباح الكلمة، ولا معنى أن يصبح النقد جريمة.
الأموي، وهو يصف الوزراء بالمناقطية، لم يكن يعرف أن الزعامة السياسية في بلادنا، وفي غيرها، تُورّث كما تُورّث الأرض والممتلكات. لم يكن يعرف أن بعض المناصب الحساسة تُصبح، مع مرور الزمن، نوعاً من “الوراثة غير المكتوبة”، تنتقل من الأب إلى الابن، ومن الحزب إلى العائلة، ومن الاسم المعروف، إلى ما يشبه الامتداد الطبيعي للتاريخ السياسي.
لقد تعاقب على السلطة، بعد تلك المحاكمة، وزراء وسفراء وولاة، ينتمون إلى عائلات حزبية أو سياسية معروفة، وكأن التوازن السياسي، في نظر من يصنعون القرار، لا يتحقق بالضرورة عبر الكفاءة أو النزاهة، بل عبر الحفاظ على دوائر معينة، وطمس أخرى، وتوزيع أدوار، لا علاقة لها في كثير من الأحيان بمصلحة الوطن، بقدر ما لها علاقة بتراتبية اجتماعية ورمزية.
وهنا يكمن الخلل العميق: عندما تصبح السلطة ملكية معنوية، أو ميراثاً سياسياً، فإن معنى المحاسبة يتآكل، ومعنى المسؤولية يختفي، ومعنى العمل العام يتحول إلى مجرد مواقع، أو ألقاب، أو امتيازات.
إن ما كان الأموي يحاول قوله، رغم حدّته، لم يكن سوى صرخة ضد منظومة جعلت من “التوازن” ذريعة لإبعاد الكفاءات، ولتبرير إعادة إنتاج نفس الوجوه، ونفس الأفكار، ونفس السياسات التي لا تقود، في نهاية المطاف، إلا إلى تعميق الفوارق، وخلق شعور لدى المواطن ،بأن الدولة ليست دولة الجميع، بل دولة دوائر صغيرة، تتحرك وفق مصالح أعرفها ولا يعترف بها أحد.
لقد آن الأوان، بعد كل ما شهدناه من تجارب ومآسٍ ومحاسبات، أن نعيد تعريف معنى الزعامة، ومعنى المسؤولية، ومعنى الخدمة العمومية. فالأمة لا تبنى بورثة السياسة، ولا تُنهض بوجوه تتكرر، ولا تُصلح بمساومات داخل غرف مغلقة.
إن الكرامة الحقيقية، في دولة تسعى إلى التقدم، هي أن يصبح المنصب مسؤولية، لا امتيازاً، وأن تصبح الزعامة خدمة، لا وراثة، وأن يكون النقد جزءاً من صحة المؤسسات، لا جريمة يعاقب عليها القانون.




