الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

الزليج المغربي.. قرون من الإبداع تُفشل محاولات جزائرية للسطو على التراث المغربي

ضربة قلم

على ضوء ما يجري اليوم داخل أروقة UNESCO بخصوص ملف الزليج، لم يعد الأمر مجرد نقاش ثقافي عابر، بل أصبح رهاناً سيادياً وثقافياً، يفرض يقظة تامة. ومن هنا، يبرز نداء واضح وصريح إلى وزارة الثقافة، وكافة المسؤولين المغاربة: التشبث الصارم بهذا الإرث الحضاري، وتسريع كل المبادرات لحمايته وتثبيته دولياً، لأنه من سابع المستحيلات، التنازل عنه أو التفريط فيه.

فالحديث عن الزليج المغربي، هو حديث عن ذاكرة أمة وهوية فنية ضاربة، في عمق التاريخ، نشأت وتطورت عبر قرون من الإبداع داخل حواضر مغربية عريقة، مثل فاس وتطوان ومراكش، حيث صاغ الحرفيون المغاربة فناً قائماً بذاته، يقوم على دقة هندسية مذهلة، تعتمد على أنماط رياضية، معقدة كالتناظر والتكرار وتعدد الأضلاع، وهي تقنيات، لم تكن مجرد زخرفة، بل تعبيراً عن رؤية جمالية وفلسفية متكاملة.

وقد ظل هذا الفن حاضراً بقوة، في المعمار المغربي، كما تشهد على ذلك معالم تاريخية بارزة، مثل جامعة القرويين وقصر الباهية، حيث يشكل الزليج عنصراً بنيوياً في الهوية البصرية للعمارة التقليدية، وليس مجرد إضافة جمالية عابرة. كما أن هذا الإرث استمر عبر منظومة حرفية دقيقة، تقوم على نقل المعرفة من “المعلم” إلى “الصانع”، داخل ورشات تقليدية ما تزال قائمة إلى اليوم، خاصة بمدينة فاس.

وقد جاءت الخطوة المغربية الحاسمة يوم 14 نونبر 2025، حين أعلنت الوزارة رسمياً، إطلاق مسطرة تسجيل “فن الزليج: فاس وتطوان” ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى UNESCO، وهي مبادرة تستند إلى تراكم تاريخي موثق، واستمرارية حية، مدعومة بأبحاث أكاديمية وشهادات ميدانية من الحرفيين، فضلاً عن حضور هذا الفن، في الحياة اليومية للمغاربة.

في المقابل، أعلنت الجزائر نيتها تقديم ملف يتعلق بما يسمى “الزليج” أو الفسيفساء التقليدية، في خطوة حديثة نسبياً، لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم. وهنا تفرض الحقيقة نفسها: التاريخ لا يُصاغ بقرارات ظرفية، ولا يُعاد رسمه عبر ملفات متأخرة، بل يُبنى على قرون من الممارسة والتوثيق والاستمرارية.

ولا يمكن في هذا السياق، إغفال ما تشير إليه العديد من الدراسات التاريخية، من أن تأثير الزليج المغربي امتد إلى مناطق مجاورة، بما في ذلك بعض المعالم في تلمسان، حيث ساهم حرفيون مغاربة في إنجاز الزخارف التقليدية، وهو ما يعكس إشعاع هذا الفن خارج حدوده الجغرافية، دون أن يفقد جذوره الأصلية المرتبطة بالمغرب.

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال نفسه بوضوح: لماذا تُصر الجزائر على الركض وراء عناصر تراثية، حسمها التاريخ والجغرافيا منذ قرون؟

إن الاحتكام إلى الأرشيف التاريخي والدراسات الأكاديمية يظل الفيصل في مثل هذه القضايا، بعيداً عن أي توظيف ظرفي أو محاولات لإعادة كتابة التاريخ. فالمعايير التي تعتمدها UNESCO واضحة، وترتكز على الاستمرارية والتجذر والتوثيق، وليس على الخطاب الإعلامي أو السياسي.

إن الواقع يؤكد أن الزليج، كما هو معروف عالمياً، مرتبط بالمغرب ليس فقط كفن، بل كمدرسة قائمة بذاتها، تتجسد في المعالم التاريخية، والورشات التقليدية، والحرفيين الذين ما زالوا إلى اليوم يحافظون على نفس التقنيات المتوارثة عبر قرون، وهو ما يمنح الملف المغربي قوة ومصداقية داخل المؤسسات الدولية.

وعليه، فإن المرحلة الحالية تفرض تعزيز الحضور المغربي داخل المنظمات الدولية، وتسريع توثيق كل تفاصيل هذا الفن، من تقنيات ومدارس وسلاسل نقل المعرفة، مع دعم الحرفيين باعتبارهم، الحامل الحقيقي لهذا التراث، والتحرك الاستباقي في كل الملفات المرتبطة بالموروث الثقافي الوطني، لأن المعركة اليوم، ليست فقط حول تسجيل عنصر ثقافي، بل حول حماية سردية تاريخية كاملة.

وفي هذا السياق، لا نريد أن يتكرر ما حدث في ملف القفطان المغربي، حيث طُرحت عناصر مشوهة تتعلق “بشراوط جزائرية” لا تعكس دقة هذا اللباس العريق، ، في مشهد يشبه – من حيث الفوضى البصرية والرمزية – ما جسدته لوحة Guernica للفنان Pablo Picasso. كما نأمل صادقين، أن يقتبس وزير الثقافة نفس الحزم الذي أبان عنه فوزي لقجع في الدفاع عن القضايا الوطنية.

فالقفطان المغربي ليس مجرد لباس، بل هو جزء من منظومة ثقافية موثقة تاريخيًا منذ العصر المريني والسعدي، وتطور بشكل لافت في مدن مثل فاس وتطوان ومراكش، حيث ارتبط بطقوس اجتماعية ،كالأعراس والمناسبات الرسمية، كما خضع لتأثيرات أندلسية وعثمانية أعادت صياغته بلمسة مغربية خالصة.

وفي هذا السياق، فإن “النطع الفاسي” ليس مجرد تسمية عابرة، بل يحيل على تقاليد دقيقة ومتجذرة في الصناعة التقليدية بمدينة فاس، سواء من حيث نوعية الأثواب المستعملة أو من خلال تقنيات “السفيفة” و”الراندة” التي تتطلب مهارة عالية وتكويناً يمتد لسنوات داخل الورشات التقليدية. وهذه الحرف ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل تمثل جزءاً من منظومة ثقافية متكاملة، مهددة اليوم بالاندثار إذا لم يتم توثيقها وحمايتها وفق المعايير الدولية المعتمدة لدى UNESCO.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يبرز مطلب ملح يتمثل في ضرورة تحرك وزارة الثقافة بشكل حازم، من أجل التصدي لأي محاولة لضم “النطع الفاسي” ضمن ملفات لا تعكس أصوله الحقيقية أو سياقه التاريخي، بما في ذلك ما يتم تداوله في بعض المبادرات المرتبطة بـالجزائر. فحماية هذا الموروث لا تقتصر على الدفاع الرمزي، بل تستوجب إجراءات رسمية قائمة على التوثيق الدقيق، والترافع المؤسساتي، وصون حقوق الحرفيين المغاربة الذين يشكلون الذاكرة الحية لهذا الفن.

الأخطر من ذلك، أن بعض المحاولات السابقة، استعانت بحرفيين مغاربة، قد لا يدركون خطورة ما يُسهمون فيه من تشويش على الهوية التراثية. وللتذكير، فإن الزليج الذي يزين بعض القصور في تلمسان، يعود في أصوله إلى أيادٍ مغربية، ما يعزز مرة أخرى مركزية المغرب في هذا الفن.

وفي الختام، يبقى الثابت الذي لا يتغير: الزليج المغربي ليس مجرد تراث، بل هو عنوان حضاري وهوية فنية مغربية خالصة، لا يمكن قرصنتها أو مصادرتها ولا إعادة نسبها، مهما تعددت المحاولات أو تغيرت السياقات.

مقالات ذات صلة

‫7 تعليقات

  1. انا مفهمتش هاد ناس واش جاين حتل مورا 2020 عاد بغاو اديرو هوية راه فاقد شيئ لا يعطيه راه معندهم والو هاد بلاد العسكر

  2. شكرا ليك كل كلمة كتبكتيها تعبر عن ما بداخلنا ياربي اسمع منك وزير الثقافة و يدير شوية ديال النفس طالبين منو إدير غير خدمتو فقط 😔 حسبي الله و نعم الوكيل مرضنا🙏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.