الزليج: ذاكرة مغربية لا تُسرق.. المغرب يطعن، والجزائر تعجز عن تزوير التاريخ والهوية

ضربة قلم
كنا قد تناولنا بالأمس، موضوع محاولة القفز على التاريخ وقرصنة الزليج المغربي، والسعي إلى تزوير منشئه ومهده الحضاري في محاولة يائسة، لإعادة كتابته تحت اسم الجزائر، في سياق يبدو فيه التنافس متجاوزاً حدوده الطبيعية، إلى منطق “المكايدة” التي تلامس الحسد، سواء تعلق الأمر بالتجربة الديمقراطية النسبية، أو وتيرة التنمية، أو حتى الإشعاع الرياضي، ناهيك عن التاريخ، الذي يظل الشاهد الأكبر على هوية مغربية متجذرة، لا تقبل الاستنساخ ولا التزييف.
غير أن ما كان يُتداول بالأمس في خانة التحليل أو التحذير، لم يلبث أن انتقل إلى مستوى الوقائع الملموسة، بعدما تأكد لنا أن المغرب تحرك، في الأيام القليلة الماضية، بخطوة رسمية وحاسمة، عبر إيداع شكاية لدى اليونسكو، وذلك رداً على محاولة إدراج ما سُمّي بـ“فن الزخرفة المعمارية بالزليج” ضمن ملف تقدمت به الجزائر. خطوة قرأتها الرباط باعتبارها تجاوزاً خطيراً لا يقف عند حدود التنافس الثقافي، بل يرقى إلى اعتداء صريح، على أحد أبرز مكونات التراث المغربي، ويمس في العمق بمصداقية المنظومة الدولية المكلفة بحماية التراث الإنساني.
هذا التحرك المغربي، لا يمكن قراءته كرد فعل ظرفي، بل هو امتداد لاستراتيجية واضحة تقوم على حماية الموروث الوطني من كل أشكال السطو أو إعادة النسبة. فالمغرب، ممثلاً في وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وكتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية، والمندوبية الدائمة لدى اليونسكو، يتحرك اليوم بأدوات قانونية ومؤسساتية دقيقة، واضعاً نصب عينيه معركة تتجاوز الزليج لتشمل مجمل الذاكرة الثقافية.
وتستند الشكاية المغربية إلى معطيات قوية، ليس أقلها أن المغرب سبق له تسجيل “زليج فاس” و”زليج تطوان” لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية، إلى جانب امتلاكه براءة اختراع توثق بشكل دقيق عملية تركيب الزليج، بكل ما تحمله من تعقيد تقني وهندسي. وهو ما يجعل هذا الفن ليس فقط تراثاً، بل أيضاً ملكية فكرية قائمة، لا يمكن القفز عليها بقرار إداري أو مناورة لغوية.
وفي هذا السياق، تبرز إحدى أخطر زوايا هذا الملف، والمتمثلة في ما وصفته المصادر المغربية بـ”المناورة السيمانتيكية”، حيث تم اللجوء إلى استعمال مصطلح “Zellidje” بدل “Zellige”، في محاولة للتحايل والالتفاف على التسمية التاريخية المعترف بها. غير أن هذا الأسلوب، مهما بدا ماكراً في ظاهره، يصطدم بجدار التوثيق الأكاديمي، حيث تؤكد مراجع علمية تعود إلى بدايات القرن العشرين، أن المصطلح ذو أصل مغربي، وأن انتشاره في بعض مناطق الجوار كان نتيجة تفاعل ثقافي، لا دليلاً على المنشأ.
ولم يفت المغرب أن يذكّر اليونسكو بتناقض قد يهدد مصداقيتها، إذ سبق لها أن وثّقت الزليج كعنصر مغربي، في ملفات تراثية معترف بها، وهو ما يجعل أي انحراف عن هذا التوصيف، بمثابة مساس بثقة الدول في آليات الحماية الدولية.
غير أن المعركة لا تقف عند حدود القانون أو التاريخ فقط، بل تمتد إلى أبعاد أخرى أكثر تعقيداً. فهناك من يحاول تسويق فكرة “التراث المشترك” لتبرير هذه المحاولات، مستنداً إلى وجود بعض النماذج المعمارية في مناطق خارج المغرب. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يتجاهل حقيقة أساسية: وهي أن الانتشار لا يعني الأصل، وأن التأثير الحضاري لا يلغي نقطة الانطلاق.
بل إن الزليج المغربي، كما هو معروف تاريخياً، تبلور في مدن عريقة، مثل فاس وتطوان، خاصة خلال العهد المريني، حيث بلغ درجة من الإتقان، جعلته مدرسة قائمة بذاتها، انتقلت لاحقاً إلى مناطق أخرى، عبر الحرفيين والتجار، في سياق طبيعي من التبادل الثقافي.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي لهذه القضية. فالزليج اليوم، لم يعد مجرد فن تقليدي، بل أصبح علامة مميزة للهوية البصرية المغربية في العالم، حاضراً في المعارض الدولية، وفي الترويج السياحي، وحتى في التظاهرات الكبرى. وبالتالي، فإن أي محاولة لإعادة نسبه، تمس بشكل مباشر بصورة المغرب ومصالحه الاقتصادية.
كما أن التجارب السابقة ،تؤكد أن المغرب راكم خبرة مهمة في هذا المجال، حيث تمكن في مناسبات سابقة من التصدي لمحاولات مشابهة، كما حدث في قضية القفطان، وهو ما يعزز من ثقته في قدرته على كسب هذا الرهان، شريطة مواصلة العمل بنفس النفس الطويل.
في العمق، تكشف هذه القضية أن التراث لم يعد مجرد ذاكرة ثقافية، بل تحول إلى أداة من أدوات القوة الناعمة، وساحة جديدة للصراع بين الدول. فالمعركة اليوم، ليست فقط حول “من يملك الزليج”، بل حول “من يملك الحق في رواية التاريخ”.
وإذا كان البعض يراهن على الالتفاف أو التمويه، فإن المغرب يراهن على التاريخ، وعلى الوثيقة، وعلى الاعتراف الدولي، وعلى وعي شعبه بقيمة إرثه.
فالزليج المغربي ليس مجرد قطع خزفية متناسقة…
بل هو هوية أمة، وذاكرة حضارة، وخط أحمر لا يقبل المساومة.
ومن يجهل جذوره، قد يراهن على التزييف… أما من يملك التاريخ، فلا يحتاج إلا أن يرويه.





مقال جميل و رائع❤️ الله احفظك استاذ المزيد من النجاح و التوفيق بإذن الله فعلا صحفي ذو حس وطني عالي الله أكثر من أمثالكم أستاذنا المخترم🙏🙏🙏🙏
الزليج المغربي ،مغربي مند القدم ،و ادا وجد في تلمسان مثلا فلان المغاربة هم من اوجدوه هناك ببساطة لان الإمبراطورية المغربية كانت تمتد بعيدا إلى منتصف الجزاءر، الزليج المغربي موجود في كل مكان بالمغرب تراث و تاريخ و صنعة و ابتكار و اتقان و هو الهوية، و لن نسمح بالمساس بهويتنا كمغاربة .