السبت… آخر “إنجاز” لوزير التعليم قبل العودة لدوّارو!

ضربة قلم
مع اقتراب شهر شتنبر، لا يستعد المغاربة فقط لشراء المحافظ والكتب والزي المدرسي، بل يستعدون أيضا لمتابعة مسلسل موسمي أصبح ينافس المسلسلات التركية، في عدد الحلقات، عنوانه: “شنو وقع هاد العام فالتعليم؟”
لكن هذه السنة، الحبكة أكثر إثارة.
فالدخول المدرسي، يتزامن مع الانتخابات التشريعية، ومعها حكومة سترحل وأخرى ستأتي، ووزير للتعليم يبدو أنه أصبح يعيش آخر أيامه في الوزارة، أو كما يقول المغاربة بعبارتهم الساخرة: “ما هو منو، وما قريب لدوّارو.”
والحقيقة أن هذه العبارة تختصر المشهد كله.
فالوزير الذي قضى سنوات، وهو يعد المغاربة بإصلاح التعليم، سيغادر تاركا وراءه ملفات أثقل من المحافظ المدرسية نفسها، ونقابات غاضبة، وأساتذة مرهقين، وتلاميذ لا يفهمون، لماذا يتغير كل شيء إلا المدرسة، التي تظل تدور في الحلقة نفسها.
وحتى وهو يهم بمغادرة مكتبه، يبدو أنه قرر أن يترك “تذكارا” صغيرا لرجال ونساء التعليم…
السبت!
نعم… السبت الذي كان إلى وقت قريب، مجرد يوم يفكر فيه الأستاذ في أسرته أو دراسته الجامعية أو راحته النفسية، تحول فجأة إلى قضية دستورية، وتشريعية، ونقابية، وربما لو استمر الجدل قليلا، سيدخل ضمن مقررات التربية على المواطنة.
الوزارة تقول: “احضروا يوم السبت.”
والنقابات تقول: “القانون يقول العكس.”
أما الأستاذ فينظر إلى الطرفين ويتساءل:
“واش غادي نقري… ولا غادي نحضر جلسة بالمحكمة؟”
الغريب في الأمر أن المغرب، أصبح البلد الوحيد الذي يستطيع أن يحول يوما من أيام الأسبوع، إلى معركة وطنية.
السبت عند باقي الشعوب…
يوم للراحة أو لقضاء شؤون الحياة، لا أكثر.
أما عندنا فهو مشروع قانون، وإضراب، وبيانات، وبلاغات، واجتماعات، وتأويلات، ومنشورات، وتصريحات، وربما قريبا سيصبح له ناطق رسمي.
النقابة، تؤكد أن المرسوم المنظم لأيام عمل موظفي الدولة واضح، ولا يحتاج إلى فقيه دستوري، ولا إلى خبير في القانون الإداري.
العمل يمتد من الإثنين إلى الجمعة.
انتهى الكلام.
أما الوزارة، فتتصرف وكأن النصوص القانونية، مجرد اقتراحات، يمكن تعديلها حسب المزاج أو حسب الرزنامة المدرسية.
وهنا يبدأ المواطن العادي في فقدان البوصلة.
إذا كانت الإدارة نفسها، تختلف مع القانون…
فكيف ستقنع التلميذ غدا باحترام القانون؟
ثم تأتي المفارقة الجميلة.
كلما طالب الأساتذة بتطبيق القانون، خرج من يتهمهم، بأنهم ضد مصلحة التلميذ.
وكأن الأستاذ أصبح مطالبا بحل جميع مشاكل المنظومة، من الاكتظاظ إلى الهدر المدرسي، مرورا بالبنية التحتية، وانتهاء بنتائج “بيزا”.
بينما الحقيقة، أن الأستاذ يقول شيئا بسيطا جدا:
“طبقوا القانون.”
فإذا أصبح احترام القانون تهمة…
فمرحبا بمدرسة العجائب.
ومن أطرف ما في الموضوع أن كثيرا من الأساتذة، يتابعون دراساتهم الجامعية، في إطار التوقيت الميسر.
والسبت، هو اليوم الوحيد الذي يسمح لهم بإكمال تكوينهم.
لكن يبدو أن بعض المسؤولين، لا يريدون للأستاذ أن يتطور.
يريدونه أن يبقى كما هو…
يدرس…
ويملأ الوثائق…
ويوقع المحاضر…
ويشارك في الاجتماعات…
ويحضر التكوينات…
ويشتغل يوم السبت…
ثم إذا اشتكى، قيل له:
“أنت سبب أزمة التعليم.”
أما الحديث عن جودة التعليم، فهو الورقة السحرية، التي تُشهر، كلما تعلق الأمر بحقوق الشغيلة.
عندما يطالب الأستاذ بحقوقه…
يقال له:
“وماذا عن التلميذ؟”
لكن عندما يتعلق الأمر بالاكتظاظ، أو المدارس الآيلة للسقوط، أو غياب التجهيزات، أو النقص المهول في الموارد البشرية…
فجودة التعليم تأخذ عطلة طويلة.
الطريف أن كل وزير يأتي، وهو يحمل حقيبة مليئة بالشعارات.
إصلاح.
مدرسة الريادة.
الحكامة.
الجودة.
الرقمنة.
الابتكار.
ثم يغادر تاركا خلفه، شعارا جديدا فقط.
أما الأستاذ…
فيظل هو نفسه.
والتلميذ…
هو نفسه.
والقسم…
هو نفسه.
حتى السبورة أصبحت تعرف الوزراء، أكثر مما يعرفهم المواطن.
واليوم، ونحن على أبواب انتخابات جديدة، لا يسعنا إلا أن نتساءل:
هل ستأتي الحكومة المقبلة برؤية مختلفة؟
أم سنغير فقط اسم الوزير، بينما يبقى السيناريو نفسه؟
هل سنستمر في إنتاج الأزمات ،ثم تشكيل اللجان لدراسة أسباب الأزمات التي صنعناها بأيدينا؟
أم سنصل يوما إلى مرحلة، يصبح فيها احترام القانون أمرا عاديا، لا يحتاج إلى إضراب ولا إلى بيانات ولا إلى ندوات صحفية؟
في النهاية…
قد يرحل الوزير بالفعل إلى “دوّارو”، كما يقول المغاربة، لكن الملفات، لن ترحل معه.
سيترك وراءه نقاشا مفتوحا، واحتقانا قائما، ومنظومة تحتاج إلى قرارات هادئة، أكثر مما تحتاج إلى شعارات براقة.
فالتعليم لا يصلحه وزير عابر، ولا حكومة عابرة، ولا مقرر وزاري يُكتب على عجل في آخر الولاية.
التعليم يحتاج إلى شيء واحد فقط…
أن تحترم الدولة قوانينها أولا، حتى تستطيع أن تطلب من تلامذتها احترامها بعد ذلك.
أما السبت… فقد أصبح أشهر من كثير من المقررات الدراسية، وربما لو استمر الجدل حوله سنة أخرى، سيستحق أن يُدرّس هو نفسه في مادة التربية المدنية!




