السجن النافذ في ملف كرة السلة… إدانة ثقيلة تكشف كيف تحولت الرياضة إلى قضية أموال عامة

ضربة قلم
أسدلت محكمة جرائم الأموال بالرباط، الستار على واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل، في تاريخ تدبير الجامعات الرياضية بالمغرب، بعدما قضت بإدانة مصطفى أوراش، الرئيس السابق للجامعة الملكية المغربية لكرة السلة، بعقوبة الحبس النافذ لمدة سنتين، على خلفية تورطه في اختلاس وتبديد أموال عمومية، مع تغريمه مبلغ 20 ألف درهم، في حكم يعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات الرياضية.
ولم تقف الأحكام عند هذا الحد، إذ قضت المحكمة أيضاً بمعاقبة أحمد جراف، أمين المال السابق للجامعة، بـ سنة واحدة حبسا موقوف التنفيذ، مع غرامة مالية قدرها 5 آلاف درهم، بعد متابعته في الملف نفسه، في حين قررت الهيئة القضائية تبرئة مصطفى خير من جميع التهم المنسوبة إليه، دون أن تصدر في حقه أي عقوبة سالبة للحرية أو مالية.
وفي الشق المتعلق بالحق المدني، ألزمت المحكمة المتهمين أوراش وجراف بأداء مبلغ 600 مليون سنتيم بالتضامن، مع التأكيد على التنفيذ في الحد الأدنى في مواجهة مصطفى أوراش، في إشارة واضحة إلى حجم مسؤوليته المباشرة في الاختلالات، التي عرفها تدبير مالية الجامعة خلال فترة رئاسته.
ملف ثقيل يعود إلى 2016
وتعود جذور هذه القضية إلى سنة 2016، حين تقدم ثلاثة أعضاء سابقين بالجامعة الملكية المغربية لكرة السلة، بشكاية رسمية إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة جرائم الأموال، اتهموا فيها مسؤولي الجامعة آنذاك، وعلى رأسهم أوراش، بتبديد واختلاس أموال عمومية قدرت قيمتها بأزيد من أربعة ملايير سنتيم.
هذه الشكاية شكلت نقطة التحول في مسار الجامعة، إذ دفعت النيابة العامة، إلى فتح تحقيق معمق في الملف، وإحالته على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، التي باشرت أبحاثاً تقنية دقيقة، شملت الاستماع إلى المعنيين، والتدقيق في الوثائق المالية والمحاسباتية، وتتبع مسارات صرف الدعم العمومي ومداخيل الجامعة.
خبرة قضائية كشفت المستور
وبعد سنوات من البحث والتقصي، أمر قاضي التحقيق بإجراء خبرة قضائية ومالية معمقة، جاءت نتائجها صادمة، حيث كشفت عن اختلالات مالية جسيمة تجاوزت قيمتها أربعة ملايير سنتيم، همّت بالأساس طرق صرف المنح السنوية التي كانت تتوصل بها الجامعة من وزارة الشباب والرياضة، إلى جانب مداخيل أخرى، مرتبطة بالانخراطات والأنشطة.
الخبرة وقفت على غياب مبررات واضحة لعدد من المصاريف، وعدم احترام المساطر القانونية المعمول بها في التدبير المالي، فضلاً عن تسجيل نفقات غير مبررة أو غير موثقة، ما اعتبرته المحكمة عناصر كافية، لقيام أركان جريمة تبديد واختلاس المال العام في حق بعض المتابعين.
رسالة تتجاوز كرة السلة
ولا يُقرأ هذا الحكم، في نظر متابعين، باعتباره مجرد فصل قضائي، في نزاع مالي داخل جامعة رياضية، بل كرسالة واضحة مفادها أن القطاع الرياضي لم يعد بمنأى عن المحاسبة، وأن الدعم العمومي المخصص لتطوير الرياضة يخضع بدوره لرقابة صارمة، شأنه شأن باقي القطاعات.
كما أعاد الملف إلى الواجهة النقاش حول ضعف آليات المراقبة الداخلية داخل بعض الجامعات، وغياب الشفافية في تدبير المال العام، في وقت تُضخ فيه ملايين الدراهم باسم تطوير الرياضة الوطنية، دون أن ينعكس ذلك دائماً على النتائج أو البنية التحتية أو تكوين الأجيال الصاعدة.
بين الحكم القضائي ومستقبل الجامعة
وبينما طُويت صفحة قضائية ثقيلة، يبقى الأمل معلقاً على أن تشكل هذه القضية منعطفاً حقيقياً في طريقة تدبير الشأن الرياضي، وأن تفتح الباب أمام إصلاحات عميقة تعيد الثقة إلى الجامعات، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيداً عن منطق الإفلات من العقاب.




