
ضربة قلم
خلال خرجتها الإعلامية الأخيرة، ركزت زكية الدريوش، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المكلفة بالصيد البحري، على وفرة السردين المجمد وضمان تموين السوق الوطنية خلال رمضان، مع التشديد على أولوية السوق الداخلية وتوسيع مبادرة “حوت بثمن معقول”. غير أن ما غاب عن هذا الخطاب – أو لم يُمنح حقه من التوضيح- هو البعد الصحي المرتبط بكيفية حفظ هذا المنتوج واستهلاكه.
نحن لا نتحدث هنا من باب التخويف، ولا نسعى إلى بث القلق في صفوف المستهلك المغربي. فالسردين، في أصله، غذاء غني بالبروتينات والأحماض الدهنية المفيدة مثل الأوميغا-3، ويساهم في دعم صحة القلب والدماغ عند استهلاكه بطريقة سليمة. لكن المشكلة لا تكمن في “السردين” ذاته، بل في طريقة التعامل معه، خصوصاً عندما يكون مجمداً ويخضع لسلسلة تبريد قد تتعرض للانقطاع أو سوء التخزين.
ما كان يُنتظر من المسؤولة الحكومية، ليس فقط الحديث عن وفرة العرض، بل أيضاً تقديم توضيحات دقيقة حول شروط السلامة الصحية، والتنبيه إلى المخاطر التي قد تنجم عن سوء الحفظ أو الذوبان غير السليم أو إعادة التجميد.
من بين المخاطر المعروفة علمياً:
-
التسمم الإسقمري (Scombroid poisoning)، الناتج عن تراكم مادة الهيستامين في الأسماك، عند تخزينها في درجات حرارة غير مناسبة، وهو لا يزول بالطبخ.
-
التسممات الغذائية البكتيرية نتيجة نمو بكتيريا مثل السالمونيلا أو الليستيريا في حال اختلال سلسلة التبريد.
-
العدوى الطفيلية في حال لم يُحترم التجميد أو الطهي الكافي.
-
إضافة إلى مخاطر التلوث البيئي في حال الإفراط في الاستهلاك دون مراقبة الجودة.
هذه ليست احتمالات خيالية، بل وقائع مثبتة في الأدبيات الصحية. والحديث عنها لا يسيء إلى المنتوج، بل يحمي المستهلك.
الأمر يكتسي حساسية أكبر، لأن السردين المجمد يُقبل عليه أساساً ذوو الدخل المحدود، والطبقات المسحوقة، ومن بينهم من يعتمد على نظام “راميد” سابقاً أو “امو” حالياً، ومن لا تغطية صحية له أصلاً. أي خلل صحي بالنسبة لهذه الفئات، لا يعني مجرد وعكة عابرة، بل قد يتحول إلى عبء ثقيل يفوق قدرتهم على العلاج.
لذلك، فإن مسؤولية الخطاب العمومي، لا تقف عند حدود الإعلان عن وفرة الكميات، أو التحكم في الأسعار، بل تمتد إلى:
-
توعية المواطنين بطريقة حفظ السمك بعد شرائه.
-
التحذير من إعادة تجميده بعد إذابته.
-
التشديد على ضرورة الطهي الجيد.
-
توضيح علامات فساد السمك المجمد.
-
مراقبة صارمة لسلسلة التبريد من الميناء إلى نقطة البيع.
نحن لا نشكك في المبادرات، ولا نهوّل المخاطر. كل ما نطالب به هو خطاب متكامل: اقتصاد يحترم الجيب، وصحة تحمي الجسد.
فالعدالة الغذائية ليست فقط في “الثمن المعقول”، بل في “السلامة المضمونة”.
والمواطن المغربي يستحق المعلومة كاملة، لا نصفها.




