السفر على الطريقة المغربية: بين قروض الصيف وحبس الدار!

ضربة قلم/ إلهام بوصبع
في المغرب، لم يعد السفر الصيفي مجرد ترف أو رفاهية كما كان في أذهان الكثيرين، بل تحوّل إلى طقس اجتماعي يُشبه الامتحان السنوي الذي يُقاس به مستوى الأسرة وقدرتها على مجاراة الآخرين. وكثيرة هي الأسر المغربية التي ظلت تمارس طقوس “التقشف الإجباري” طيلة العام، مقتطعة من قوتها اليومي ومن مصاريفها الأساسية، فقط من أجل أن تحظى بأيام معدودة قرب البحر أو في إحدى المدن السياحية.
منهم من يحرم أبناءه من بعض الضروريات أو الملابس الجديدة على طول السنة، ومنهم من يؤجل إصلاح البيت أو شراء الأثاث الضروري، حتى يظل حلم “الصيف” قائمًا. وهناك من يلجأ إلى الحل الأكثر شيوعًا: القروض. فبعض الآباء لا يترددون في الاقتراض من الأهل، أو من البنك أحيانًا، لتمويل رحلة قصيرة، رغم علمهم بأن تسديد الدين سيستمر حتى فصل الشتاء وربما أبعد من ذلك. كل هذا من أجل تغطية مصاريف التنقل، المبيت، الأكل، كراء الشقق أو الفنادق، وحتى الأنشطة الترفيهية البسيطة التي يصرّ الأبناء على القيام بها.
لكن في المقابل، هناك آلاف الأسر التي لا تجد نفسها في هذا “السباق الصيفي”، بل تفضل البقاء في منازلها أو يتم إجبارها على ذلك بفعل ضيق ذات اليد. هؤلاء يراقبون صور المصطافين عبر فيسبوك وإنستغرام، ويكتفون بعبارة “الله يعاون”، بينما يحاولون ابتكار بدائل بسيطة داخل البيت: جلسة شاي في السطح، نزهة قصيرة لحديقة قريبة، أو زيارة الأقارب في القرى. بالنسبة لهم، السفر صار امتيازًا طبقيًا أكثر منه عادة اجتماعية.
المفارقة أن ثقافة السفر في المغرب لا تُبنى فقط على الرغبة في الاستجمام، بل أيضًا على “العيون التي تراقب”. فالكثيرون يخشون نظرة الجيران أو الأهل إن لم يسافروا صيفًا، وكأن العطلة دليل على النجاح والاستقرار، والجلوس في البيت إشارة على الفشل أو التعاسة. لذلك، نجد أسرًا ترهق نفسها فوق طاقتها لتُثبت فقط أنها “مثل غيرها”، في وقتٍ أصبح فيه الاصطياف جزءًا من الصورة الاجتماعية التي يحرص الناس على رسمها، لا سيما مع ضغط وسائل التواصل الاجتماعي التي تُضخّم من “ثقافة المقارنة”.
من زاوية أخرى، يُمكن القول إن هذه الظاهرة تكشف جانبًا عميقًا من البنية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب. فلو كانت هناك عروض سياحية ملائمة للطبقة المتوسطة والفقيرة، ولو كانت البنية التحتية السياحية أكثر توازنًا وتوزيعًا، لما وجدنا كل هذه الأسر محصورة بين خيارين: إما السفر المكلف والمرهق، أو المكوث في البيت بمرارة. ثم إن غياب الفضاءات العمومية النظيفة والمجهزة داخل المدن يزيد الطين بلة، إذ لا يجد المواطن متنفسًا محليًا لتمضية وقته، مما يجعل السفر هو الحل الوحيد للخروج من روتين المدينة وصخبها.
ويبقى السؤال الأعمق: هل السفر في المغرب اليوم حقّ اجتماعي للجميع، أم أنه امتياز محفوظ لفئات معينة؟ الواقع يُظهر أن السياحة الداخلية تحولت إلى سوق يتغذى من جيوب البسطاء، حيث ترتفع الأسعار بشكل صاروخي مع بداية يوليوز وغشت، سواء تعلق الأمر بكراء الشقق أو أسعار الوجبات في المطاعم، حتى أن مصطلح “الغلا ديال الصيف” صار دارجًا في الخطاب الشعبي.
إنها صورة مصغرة عن تناقضات المجتمع: أسر تشد الحزام طوال العام لتعيش أسبوعًا من “الحلم المؤقت”، وأسر أخرى تستسلم لواقعها مكتفية بقول “الصيف جاي والصيف غادي، المهم الصحة والسلامة”. وبين هذه وتلك، يظل البحر نفسه هو البحر، والشمس هي الشمس، لكن القدرة على الوصول إليها ليست متاحة للجميع.




