مجتمع

السكن الاقتصادي بين الحلم الرسمي والواقع الميداني: فنادق أكثر حميمية من شقق “المخزن”

ضربة قلم

في بلاد يتغنى مسؤولوها يوماً بعد يوم بـ”الحل الاقتصادي” لمعضلة السكن، يتضح للعين المراقبة أن الواقع أحياناً له وجه آخر، بعيد كل البعد عن الشعارات المتداولة في المؤتمرات الصحفية.  السكن الاقتصادي، الذي يُفترض أن يكون ملاذاً للأسر، يتحول في الواقع إلى ساحة اختبار لصبر الإنسان، ومسرح يومي لمفارقات تثير الضحك والدهشة في آن واحد.

تخيل معنا عزيزنا القارئ، زوجين شابين يقيمان في شقة اقتصادية، تحاكي أحلامهما بالاستقرار والحياة الأسرية، ولكنهما يكتشفان سريعاً أن هذه الشقق تشبه “بيت الأشباح” في عالم العلاقات الحميمة. الجدران رقيقة كأنها أوراق اللعب، الصوت ينتقل كالسحر بين الجيران، ولا حيز للخصوصية أو النقاش الصريح. هنا، لا يمكنك أن تتحدث بحرية أو حتى تضحك بصوت عالٍ، فقد يتحول كل همس إلى دليل ضدك، وكل زفرة إلى شهود في المحكمة المجتمعية التي يفرضها الجيران والمخططون العمرانيون.

الأزواج، في سبيل الحفاظ على كرامتهم وحرية حديثهم، يجدون أنفسهم مضطرين إلى البحث عن “الفنادق”، تلك الملاذات الغريبة التي تقدم لهم ما تفتقده الشقق الاقتصادية: الخصوصية، الحميمية، ولو لساعات قليلة. هكذا يتحول الحلم الرسمي ببيت اقتصادي إلى رحلة ليلية بين الممرات، كأن المخزن ابتكر لهم دور الجواسيس المجانيين في كل زاوية وركن من الشقق، يراقبون خطواتهم ويستمعون إلى همساتهم، وكأن منطق اللعبة يقول: “إذا أردتم الحياة، فلتذهبوا للآخرين”.

وما يزيد الطين بلة، أن المسؤولين، وعلى رأسهم وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ربما لا يعلمون أن الخطط العمرانية الرائعة على الورق تتصادم بشكل مباشر مع حاجة البشر للحرية والخصوصية. فكل محاولة لزيادة الكثافة السكنية أو تقليص المساحات تصنع “أسراراً” لا تُكشف إلا في الفنادق والمقاهي والأماكن التي لم يضعها المخططون في الحسبان.

السخرية هنا لا تكمن فقط في ضيق المساحات، بل في التناقض بين ما يروجه الإعلام الرسمي وبين ما يعيشه المواطنون يومياً. ففي الوقت الذي يُفتتح فيه “مشروع سكن اقتصادي” يُباع على أنه إنجاز وطني، يعاني الشباب في صمت، يهربون إلى مكان آخر للحديث بحرية، للتخطيط للحياة الزوجية، وربما للتخطيط لإنجاب المستقبل.

الدرس واضح: السكن الاقتصادي، رغم نواياه الطيبة على الورق، لا يمكن أن يحل معضلة الإنسان الحي إلا إذا أُعيد التفكير في الخصوصية، الحرية، والحميمية، أي العناصر الأساسية التي تجعل من بيت أي أسرة مكاناً يعيش فيه الناس فعلاً، لا مجرد صندوق مغلق يمتلئ بالشعارات والورق المقوى.

في المغرب، يبدو أن المخزن يبدع في كل شيء: الطرقات، البنية التحتية، المشاريع الكبرى… إلا في أمر واحد: تصميم مسكن يمنح الناس حياتهم الخاصة، دون الحاجة إلى “الفنادق الهاربة”. وإذا استمر الحال على هذا المنوال، فربما يتحول الحديث عن “السكن الاقتصادي” إلى نكتة حزينة، يضحك عليها الجميع بصوت منخفض… كما يضحك الأزواج في الفنادق بعيداً عن أعين الجيران.

ولو أراد المخططون حماية كرامة الأسر حقًا، لما تم تقليص الأجور والتكاليف المخصصة للبناء إلى أدنى حد، تاركين الشقق على الورق تبدو كبيرة في البروشورات، لكنها على الأرض ضيقة، رديئة المواد، وجدرانها رقيقة كأوراق اللعب. فالأجر الحقيقي للبناء هو ما يضمن جودة المواد وسلامة العمارات، ويصنع مسكنًا يمكن للأزواج أن يعيشوا فيه بحرية وكرامة، بعيدًا عن الحاجة للهرب إلى الفنادق للحميمية والخصوصية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.