“السكن ليس صدقة… بل حق يُنتزع!”: موسى أبويهي يفتح ملف الشحاوطة والبرادعة ويكشف خبايا الإقصاء والترحيل القسري بالمحمدية

حوار أجراه: محمد صابر
في مدينة تُسوّق لنفسها كقطب اقتصادي وصناعي واعد، لا يكاد الوجه اللامع يكتمل حتى يطفو على السطح وجه آخر أكثر قسوة، كلما اهتزّ صمت “دور الصفيح” أو انكسر وهم “طيّ الملف” نهائيًا. في المحمدية، لا يتعلق الأمر فقط بأكواخ من قصدير تُقاوم المطر والريح، بل بمصائر بشرية كاملة، معلّقة بين قرارات إدارية ضبابية ووعود عمومية، تتقن فن التأجيل. هنا، يتحول الحق في السكن اللائق من مبدأ دستوري إلى معركة يومية، لا تُخاض فقط ضد الهشاشة، بل أيضًا ضد الإقصاء، والتماطل، وميزان إنصاف يبدو مختلًا في كثير من الأحيان.
هذا الواقع يكشف، بوضوح، أن خطاب “القضاء على دور الصفيح” لم يعد كافيًا في حد ذاته، ما لم يُترجم إلى سياسات منصفة وشفافة، تُراعي كرامة الإنسان قبل الأرقام والمؤشرات. فالأمر لا يتعلق بطيّ صفحة عمرانية، بقدر ما يتعلق بإنصاف فئات عاشت لعقود على هامش المدينة، تنتظر دورها في الاستفادة من حق بسيط… ومع ذلك يبدو بعيد المنال.
في هذا السياق المحتقن، يبرز صوت موسى أبويهي، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية، كأحد الفاعلين الذين يواكبون هذا الملف عن قرب، مسلطًا الضوء على التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. واقعٌ يطرح أسئلة ملحّة، حول معايير الاستفادة، ومآل الأسر المقصية من حقها المشروع في السكن الملائم، باعتباره حقًا أساسيًا مكفولًا لكل المواطنين دون تمييز.
في هذا الحوار، نفتح معه ملف دوار الشحاوطة وحي البرادعة، لا فقط من زاوية الوقائع، بل أيضًا من زاوية ما يختزنه هذا الملف من اختلالات عميقة وأسئلة محرجة، تنتظر أجوبة بحجم معاناة الساكنة وآمالها المؤجلة.
سؤال: كيف تقرؤون، كفرع حقوقي، ما يجري اليوم بدوار الشحاوطة؟
موسى أبويهي: ما يقع في دوار الشحاوطة لا يمكن اعتباره حالة معزولة أو ظرفية، بل هو حلقة ضمن سلسلة ممتدة من الاختلالات التي طبعت، لسنوات، طريقة تدبير ملف السكن غير اللائق بمدينة المحمدية. فالأمر يتجاوز حدود هذا الدوار ليشمل مناطق أخرى، كدوار بيكي ولحجر والشريف، وغيرها من البؤر التي تعيش نفس الإشكالات، وإن اختلفت التفاصيل.
نحن اليوم أمام فئة من المواطنين تم إقصاؤها من برامج إعادة الإيواء، رغم أنها تنتمي لنفس النسيج الجغرافي والاجتماعي الذي استفادت منه فئات أخرى. هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول معايير الانتقاء المعتمدة: هل هي واضحة وشفافة؟ وهل تُطبق بشكل عادل ومتساوٍ؟ أم أن هناك اختلالات تفتح الباب أمام التأويل، بل وأمام الإحساس العميق بالحيف و”الحكرة”؟
الأخطر من ذلك، أن هذا الإقصاء لا يظل حبيس الجانب الاجتماعي فقط، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على التماسك الاجتماعي داخل هذه الأحياء، حيث تتولد مشاعر الاحتقان وفقدان الثقة في المؤسسات، وهو ما قد يؤدي إلى توترات يصعب احتواؤها مستقبلاً. فحين يشعر المواطن أنه غير معني بالإنصاف، يصبح الانتماء نفسه موضع سؤال.
سؤال: سبق أن تحدثتم عن “الترحيل القسري”، ماذا تقصدون بذلك؟
موسى أبويهي: عندما نتحدث عن “الترحيل القسري”، فنحن لا نستعمل المصطلح من باب المبالغة أو الإثارة، بل لوصف واقع يتمثل في نقل السكان من أماكن سكناهم الأصلية، وهدم مساكنهم، في غياب شروط تضمن انتقالًا إنسانيًا وكريمًا. في بعض الحالات، يتم هذا الترحيل تحت ضغط مباشر أو غير مباشر، ودون إشراك فعلي للساكنة في اتخاذ القرار أو تمكينها من بدائل حقيقية تحفظ كرامتها واستقرارها.
ما يثير القلق اليوم هو التحول الذي عرفته سياسة إعادة الإيواء. فبعد أن كانت، في مراحل سابقة، تتم داخل المجال الحضري للمحمدية أو في محيطه القريب، أصبحنا نشهد نقل الأسر إلى مناطق قروية، مثل بني يخلف والشلالات. هذا التحول لا يبدو تقنيًا فقط، بل له انعكاسات اجتماعية عميقة.
فالأسرة التي كانت تستفيد، ولو بشكل محدود، من قربها من العمل أو المدرسة أو المستشفى، تجد نفسها فجأة، أمام واقع جديد: مسافات أطول، تكاليف تنقل مرتفعة، صعوبات في تمدرس الأبناء، وضعف في الولوج إلى الخدمات الأساسية. بمعنى آخر، يتم نقل الهشاشة من مكان إلى آخر، وربما مضاعفتها.
إننا لا نرفض مبدأ إعادة الإيواء في حد ذاته، بل ندعو إلى أن يتم وفق مقاربة إنسانية شاملة، تراعي كرامة المواطن، وتحافظ على توازنه الاجتماعي والاقتصادي. لأن السكن ليس مجرد جدران وسقف، بل هو بيئة حياة متكاملة، وأي إخلال بهذا التوازن قد يحول الحل المفترض إلى مشكلة جديدة.
سؤال: كيف عاشت ساكنة دوار البرادعة تجربة هدم سابقة، كيف تنظرون إلى ما حدث آنذاك؟
موسى أبويهي: ما وقع بدوار البرادعة، لم يكن مجرد عملية هدم عادية، تدخل في إطار “إعادة هيكلة” أو “محاربة السكن غير اللائق”، بل شكل لحظة مفصلية كشفت عن هشاشة العلاقة بين الساكنة والسلطات. فحين تُتخذ قرارات مصيرية تمس الاستقرار اليومي للأسر، يصبح عنصر الثقة هو الأساس، وأي إخلال به، تكون كلفته أكبر من مجرد إزالة بنايات قصديرية.
لقد جرت عملية الهدم في ظروف مناخية قاسية، تحت أمطار غزيرة وبرد شديد، وفي توقيت حساس كانت فيه الأسر، خصوصًا التلاميذ، في قلب الموسم الدراسي. وكانت الساكنة، قد تلقت وعودًا واضحة بتأجيل العملية إلى ما بعد نهاية السنة الدراسية، مراعاة لمصلحة الأطفال واستقرارهم النفسي والتعليمي. غير أن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا، حيث نُفذت العملية بشكل مفاجئ، دون احترام تلك الالتزامات.
هذا التراجع عن الوعود لم يكن مجرد خطأ تدبيري، بل ترك آثارًا عميقة، اجتماعيًا ونفسيًا. فالأسر وجدت نفسها بين ليلة وضحاها في وضعية ارتباك، والأطفال فقدوا الإحساس بالأمان، وانقطع بعضهم عن الدراسة، أو اضطروا لمواجهات يومية مع التنقل والظروف غير المستقرة. مثل هذه التجارب لا تُمحى بسهولة، بل تترسخ في الذاكرة الجماعية وتُغذي شعورًا دائمًا بعدم الثقة.
سؤال: ماذا يعني هذا من زاوية حقوقية؟
موسى أبويهي: من زاوية حقوقية، ما حدث يطرح أكثر من علامة استفهام، حول مدى احترام المبادئ الأساسية التي ينبغي، أن تؤطر أي تدخل يمس الحق في السكن. فالأمر لا يتعلق فقط بتطبيق قرارات إدارية، بل بضرورة احترام كرامة الإنسان وضمان حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الاستقرار والأمان.
أي عملية هدم أو إعادة إيواء، يجب أن تندرج ضمن مقاربة شمولية، تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والإنسانية، وليس فقط الاعتبارات التقنية أو العمرانية. وهذا يقتضي، أولًا، إشراك الساكنة في القرار، وثانيًا، احترام الالتزامات المقدمة لها، وثالثًا، توفير بدائل حقيقية، تحفظ كرامتها وتضمن استمرارية حياتها اليومية دون صدمات مفاجئة.
ما وقع بدوار البرادعة يؤكد أن هناك خللًا في هذا التوازن، ويبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة طرق تدبير هذه الملفات. فبناء الثقة لا يتم بالشعارات، بل باحترام الوعد والالتزام، خاصة حين يتعلق الأمر بفئات تعيش أصلًا في وضعية هشاشة.
كما أن هذا الوضع يطرح مسألة التزام الدولة بالقوانين التي وضعتها بنفسها، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، والتي تؤكد بشكل واضح على منع الترحيل القسري، دون ضمانات قانونية وإنسانية كافية. لذلك، فإن ما نحتاجه اليوم ليس فقط حلولًا تقنية للسكن، بل رؤية إنسانية عادلة، تجعل من المواطن محور السياسات العمومية، وتقطع مع الممارسات التي تُنتج الهشاشة بدل معالجتها.




