السلطة ضد الطباشير: حكاية أستاذة لم تُنصف

ضربة قلم
في بلد يُفترض أن تكون فيه المدرسة، فضاءً للإنصاف، يتحول بعض نسائها ورجالها، إلى ضحايا صامتين، لقرارات إدارية باردة، لا تُفسَّر ولا تُبرَّر، ولا تُراعي لا القانون، ولا الكرامة. ما جرى لأستاذة مادة المعلوميات بمدينة العرائش، ليس مجرد “نزاع إداري”، بل صورة مكثفة لاختلال عميق، في طريقة تدبير الموارد البشرية، داخل قطاع،يُفترض أنه يبني الإنسان، لا يكسره.
الأستاذة، التي عُيّنت سنة 2022 بالثانوية الإعدادية عبد العزيز مزيان بلفقيه، لم ترتكب جرمًا مهنيًا ثابتًا، ولم تُضبط في حالة إخلال جسيم بواجباتها، لكنها فوجئت بتكليفها بالعمل، خارج إطار تعيينها الأصلي، في قرار بدا أقرب إلى العقاب المقنّع منه إلى التدبير التربوي. وحين حاولت سلوك المساطر الإدارية، وراسلت واحتجّت واستفسرت، وُضعَت فجأة في خانة “المنقطعة عن العمل”، وكأن طلب التوضيح، صار جريمة.
المفارقة الصادمة، أن الأستاذة، التحقت لاحقًا بالمؤسسة التي كُلّفت بها، واشتغلت بشكل عادي، إلى نهاية الموسم الدراسي، دون أن يشفع لها ذلك في شيء. الأجر أُوقف ابتداء من فبراير 2025، وكأن الرسالة واضحة: اشتغلي أو لا تشتغلي، القرار جاهز، والعقوبة ستُنفّذ.
الأخطر في هذا الملف، ليس فقط القرار في حد ذاته، بل الطريقة. مسطرة تأديبية يُستدعى فيها، موظف عمومي في آجال قصيرة، أحيانًا عبر تطبيق “واتساب”، دون تمكينه من الاطلاع على ملفه، أو إعداد دفاعه، أو معرفة التهم بدقة. أي عدالة هذه؟ وأي احترام لقرينة البراءة؟ وأي معنى، يبقى للضمانات القانونية، حين تتحول المسطرة التأديبية، إلى إجراء شكلي لتبرير قرار جاهز سلفًا؟
ما يقع هنا ليس خطأ معزولًا، بل منطقًا مقلقًا: منطق يعتبر الأستاذ الحلقة الأضعف، ومنطقًا يُساوي بين السلطة الإدارية والحقيقة المطلقة، ويختزل الحق في الطاعة العمياء. كل من يعترض، أو يطلب تفسيرًا، أو يرفض قرارًا غامضًا، يصبح “متمردًا”، ثم “منقطعًا”، ثم “موقوفًا”.
لجوء الأستاذة إلى المحكمة الإدارية بطنجة، لطلب إيقاف تنفيذ قرار التوقيف، ليس نزوة، بل فعل دفاع أخير عن الكرامة المهنية. فحين يُحرم موظف من أجره، ويُشوَّه مساره، وتُعلَّق حياته، على قرار غير معلل، يصبح عنصر الاستعجال بديهيًا، وتغدو جدية الطعن صارخة، خاصة في ظل اجتهادات قضائية سابقة، اعتبرت النقل أو التوقيف غير المبرر، تجاوزًا في استعمال السلطة.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل نريد إدارة تربوية تحكم بالقانون أم تُدبّر بالهاتف؟
هل نريد مدرسة تُنصف أطرها أم تُرهبهم؟
ما حدث في العرائش ليس قضية أستاذة واحدة، بل جرس إنذار. لأن إدارة لا تُحاسَب، ستُكرر الأخطاء. ولأن الصمت عن الظلم الإداري لا يحمي المؤسسة، بل يُضعفها.
وفي النهاية، حين يُهان الأستاذ، لا تُهان فردية معزولة… بل تُهان المدرسة العمومية بأكملها.




