السماسرة يحبون السماسرة… واللصوص يتعاطفون مع بعضهم!

ضربة قلم
في هذا الوطن، لا شيء يُوحّد الناس مثل المصلحة. فبينما يفشل السياسيون في بناء الجسور بين الأطياف المختلفة، نجح السماسرة واللصوص في بناء شبكة تضامن خارقة، قائمة على قاعدة بسيطة: “انصر أخاك إن سرق أو سَمسر.”
تأمل المشهد قليلًا: حين يُلقى القبض على سمسارٍ بتهمة النصب، لا تمرّ دقائق حتى يتكاثر حوله “الرفاق” من نفس الصنف. منهم من يندب “الزمن الرديء الذي لا يرحم الأذكياء”، ومنهم من يتباكى على “أخٍ مظلومٍ كان فقط يحاول أن يعيش”. هكذا، يتحول المحتال إلى ضحية، والمغفل إلى متهم، والمجتمع إلى كومبارس في مسرحية رديئة الإخراج.
لكن ما لا يفهمه هؤلاء أن القاعدة الربانية لا تُحابي أحدًا. فالله حين قال:
“وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.”
لم يكن يتحدث فقط عن القتل الجسدي، بل عن كل روح تُقتل ظلمًا، وكل كرامة تُغتال على يد طمعٍ أو غشٍ أو استغلالٍ بارد الأعصاب.
النفس التي حرم الله قتلها ليست فقط تلك التي تُزهق برصاصة، بل أيضًا تلك التي تُدفن حيّة في دوامة الخداع اليومي: حين يُباع الأمل بوعدٍ كاذب، أو يُسلب المجهود بصفقة ملتوية، أو يُشترى الصمت بثمن بخس.
السماسرة -في كل مجال – يعرفون بعضهم بالغريزة. لا يحتاجون إلى بطاقات تعريف ولا توصيات. تراهم يلتقطون رائحة “الصفقة” من بعيد كما يشمّ الذئب فريسته. وفي لحظة، تتشكل بينهم أخوّة عجيبة، أساسها المصلحة، وسقفها الجشع، ووقودها الأرواح التي يُستنزف فيها الطيبون.
أما اللصوص، فهم أكثر “عاطفة” من بعض السماسرة. حين يسقط أحدهم، يتبادلون عبارات الوفاء والولاء وكأنهم فرسان في ملحمة، لا خونة في سوق سوداء. أحدهم يُسجن، فيتولى الآخر “خدمة العائلة”. يُفتضح الثالث، فيُرسل الرابع “برقية دعم” من الخارج. وكأنهم يرددون في سرّهم: “اللص أخ اللص، وهذا الأخير لا يترك “زميله” في ورطة.”
لكن وسط هذا الخراب الأخلاقي، تظل هناك نفس واحدة يعرفها الله وحده، لا تبيع ولا تشتري. نفس ترفض المشاركة في هذا السوق المليء بالغبار والوجوه المتشابهة. نفس تشعر بالاختناق حين ترى روحًا تُهان، أو حقًا يُسلب، أو إنسانًا يُعامل كسلعة في مزاد.
هي تلك النفس التي قال عنها الله إنها “حرّم قتلها”، لأنها رمز للحياة، للعدل، وللضمير الذي لم يمت بعد.
السمسرة ليست مجرد مهنة، بل “ثقافة”. واللصوصية ليست هواية، بل منظومة. وبين الاثنين، يعيش الوطن في مفارقة مرة: كل من يسعى بصدق يُعتبر مغفلًا، وكل من يحتال يُلقب بـ”ولد الناس القافز”.
لكن، يومًا ما، حين تنكسر دائرة الحيلة ويعود للحق لسانه، سنرى كيف تنهار تلك “الأخوّة” الزائفة بين السماسرة واللصوص، لأنهم لم يُبنوا على مبدأ، بل على غنيمة. وحين تنتهي الغنيمة، يتفرق الجمع، ويظهر الفارق بين من كان يتاجر بالأرواح، ومن كان يحفظها.




