السنطيحات السياسية: وجوه ترفض مغادرة المسرح حتى بعد انطفاء الأضواء

ضربة قلم
لا نعرف حقا أي سرّ هذا الذي يجعل بعض الوجوه المتكالبة على العمل السياسي تتشبث بكراسي الزعامة تشبث الغريق بخشبة بالية وسط بحر هائج. وجوه تعرف في قرارة نفسها أنها لا تصلح لا للتسيير ولا للتفكير، بل حتى للجلوس في الصفوف الخلفية. ومع ذلك، تصرّ بعناد غريب على البقاء في الواجهة، وكأنها خُلقت لتكون “زعيمة” وإن كانت بلا أتباع، أو “قائدة” وإن كان القطيع قد هجرها منذ زمان.
الأدهى والأمرّ أن هذه النماذج لا تكتفي بالتمسك بالكراسي، بل تخرج علينا بين الفينة والأخرى، بوجه سميك لا يعرف للحياء طريقا. تخرج كما يخرج “بوعو” من غاره ليُرعب الأطفال في الليالي المظلمة، لكن الفارق أن “بوعو” كائن خرافي، بينما هؤلاء حقيقة مرة نعيشها يوميا. يطلون عبر الشاشات أو عبر صفحات الجرائد بعبارات خشبية، شعارات مستهلكة، وابتسامات مصطنعة تكشف أكثر مما تخفي.
إنها ظاهرة “السنطيحات السياسية”، حيث يصبح الجلد السميك مؤهلا أهم من الكفاءة، وحيث تبرع بعض الوجوه في ممارسة الاستمرارية رغم الهزائم المتتالية، وكأنها تتغذى من الخسارة، وتجد في الفشل مبررا لمزيد من العناد. تراهم بعد كل استحقاق انتخابي وبيع وشراء يخرجون لتبرير “الكارثة”، إما بالحديث عن المؤامرات الخارجية، أو عن “عدم وعي الشعب”، وكأن الشعب هو المشكلة الدائمة، وهم الحل الوحيد الذي لا يقبل المنافسة!
والأغرب أن هذه الوجوه تتشبث بالكراسي، كأنها لعبة “الكراسي الموسيقية” في حفلات الأطفال: اليوم وغد أنا وبعد غد نصنع وجها جديدا من العدم وحتى من العائلة ليُكمل المسرحية. أما المواطن؟ فلا أحد يسأله إن كان لا يزال يطيق رؤية نفس الممثلين على نفس المسرح المتهالك.
لكن، لماذا يتمسكون؟ الجواب بسيط ومعقد في آن واحد: الكرسي ليس مجرد خشب ومسامير، إنه امتيازات، علاقات، توقيعات، صفقات، وربما حصانة من المتابعات. إنهم يعرفون جيدا أن الخروج من اللعبة يعني العودة إلى صفوف الناس العاديين، وهذا ما لا يطيقونه. فكيف لمن اعتاد المكاتب المكيفة والسيارات المصفحة أن يعود إلى مهنة “فيدور” أو يقف في طابور صندوق الضمان الاجتماعي؟
المؤلم أن هذه “السنطيحات” أصبحت جزءا من المشهد السياسي العادي، لدرجة أن المواطن صار يتوقع رؤيتها دائما، مثل إعلان تجاري مزعج يلاحقك أينما قلبت القناة. وحين يسأل أحدنا: ألم يحن وقت التغيير؟ يأتي الجواب المبتسم: “نحن هنا لخدمتكم!”، وكأنها نكتة سمجة تُحكى بلا خجل.
في النهاية، يمكن القول إن هذه الكائنات السياسية أشبه بـ”الكابوس الجماعي” الذي يتكرر كل ليلة: نحلم بالوجوه الجديدة، بالدماء الطازجة، بالقيادات الشابة، لكننا نستيقظ فنجد نفس الوجوه القديمة، بنفس اللغة البالية، وبنفس الوعود التي لا تتحقق.
ويبقى السؤال معلقا: متى سيستيقظ الشعب من سباته ليقول لهذه “السنطيحات” بكل وضوح: انتهى العرض، آن الأوان أن تغادروا المسرح بلا تصفيق؟




