السياسة في المغرب: لعبة بلا لاعبين ولا متفرجين

ضربة قلم
في المغرب، ما عاد أحد يسأل عن الأحزاب. ليس لأنها بخير، بل لأن الكل صار يعرف أنها فقدت وظيفتها الأصلية: التمثيل. لم تعد تنبض بصوت الناس، ولا تحمل قضاياهم، ولا حتى تحاول أن توهمهم بذلك. تحوّلت إلى دكاكين سياسية موسمية، تفتح أبوابها قُبيل كل انتخابات، وتغلقها في وجه الناس بعدها. والمفارقة أن الذين يديرونها لا يخجلون من رفع شعارات كبرى من قبيل “خدمة الوطن” و”الإصلاح من الداخل”، بينما هم منشغلون، في الحقيقة، بتوزيع الغنائم القليلة المتبقية في حلبة فقدت فيها اللعبة كل إثارة.
البرلمان، هو الآخر، يعيش نوعًا من “الصمم الوظيفي”. يُفترض أنه سلطة تشريعية تراقب وتُحاسب وتُشرّع، لكنه صار أقرب إلى منصة للقراءة الجماعية لما يصل من فوق. النواب، أغلبهم، لا يحضرون إلا لالتقاط الصور، أو لتأكيد الحضور “الورقي”، وكأن من صوتوا عليهم ليسوا شعبًا حقيقيًا، بل قاعدة بيانات عابرة. حين تندلع أزمة، أو ترتفع الأسعار، أو تُسحل كرامة مواطن على مرأى الجميع، نادرًا ما نسمع صوتًا برلمانياً شجاعًا، أو حتى محتجًا. وكأن البرلمان مجرد بناية فخمة تُعقم من أي وجع.
الناس، من جهتهم، لم يعودوا يتوقعون شيئًا. لقد تآكلت الثقة لدرجة لم تعد تُقاس حتى بمدى تكرار الخيبات، بل باللامبالاة التامة. كثيرون صاروا يقاطعون الانتخابات، لا من باب الاحتجاج، بل لأنهم مقتنعون بأن صوتهم لا يصل، وأن الأوراق التي تُفرز ليست دائمًا من تلك التي وُضعت في الصندوق. وهناك من يُصوّت رغمًا عنه، تحت ضغط “المعروف”، أو الوعيد، أو الهدايا الصغيرة التي لا علاقة لها لا بالبرامج ولا بالوعود.
الحديث عن “تجديد النخب” صار مزحة ثقيلة. الوجوه نفسها، نفس الخطاب، نفس المسرح… فقط الجمهور هو الذي تغيّر، أو لنقل: غادر القاعة. لم يعد هناك من يصفّق، أو يغضب، أو يأمل. وهذا في حد ذاته أخطر بكثير من المعارضة. لأن الديمقراطية يمكن أن تتحمل الاحتجاج، لكنها تنهار أمام اللامبالاة.
ربما يكون الخطر الحقيقي اليوم ليس في وجود أحزاب ضعيفة، بل في استمرار التظاهر بأنها تمثل الناس. ليس في غياب الصوت داخل البرلمان، بل في وجود أصوات تُستغل فقط لإكمال الجملة الرسمية التي تبدأ عادة بـ: “باسم الشعب، قررنا…”. الشعب لم يعد حاضرًا في الجملة، ولا في القرار، ولا حتى في السؤال.
هذا المشهد الحزبي الميت إكلينيكيًا لم يعد يحتاج إلى إنعاش، بل إلى إعادة اختراع. وإلا فإن العبارة الأكثر صدقًا التي يمكن أن تُقال اليوم هي: “في المغرب، لدينا أحزاب… لكن بدون شعب. وبرلمان… بلا صوت”.





https://shorturl.fm/GNR6r