الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

السياسي المغربي: يتنفس كذباً ويزفر وعوداً فاسدة!

ضربة قلم

في المغرب، لا غرابة أن يصبح الكذب من أبرز مهارات السياسي، بل يمكن القول إن بعضهم بلغ في الكذب مقامات عليا تُدرَّس في كليات الخداع السياسي بامتياز. السياسي المغربي لا يكذب فحسب، بل يتنفس الكذب، يحياه، يتذوقه كما يتذوق الشاي المنعنع في مقاهي العاصمة، ويعزفه على أوتار الكلمات كما يعزف عبد الوهاب الدكالي على العود. الكذب عنده ليس وسيلة، بل هو غاية، وهوية، وربما لو فتّشت في جيناته لوجدت هناك بصمة وراثية تقول: “هذا مخلوق سياسي كذّاب بالفطرة”.

جلسات السياسيين تشبه إلى حدّ بعيد المسرحيات الهزلية الرديئة، حيث ترتدي الوجوه أقنعة بلاستيكية تبتسم بلا سبب، وتُحرك الشفاه جُملاً محفوظة لا علاقة لها بالواقع. وإن صادفك حظك العاثر وجلست إلى أحدهم، فاحذر، فقد يتحول لقاؤك إلى فصل كامل من العبث، حيث يبدأ الحديث عن “المصلحة العامة” و”الشفافية” و”خدمة الوطن”، بينما عينيه تدوران كالدوامة بحثاً عن مخرج من اللقاء أو ربما كاميرا خفية تلتقط “اللقطة الوطنية”.

وما أن يرن الهاتف، حتى تنكشف المهزلة في أبهى تجلياتها. يُخرج هاتفه الذكي -والذكي الوحيد في الغرفة غالبًا- ويريه لمرافقه قائلاً: “قول ليه راه فاجتماع مهم”. وما أدراك ما الاجتماع المهم! قد يكون اجتماعاً مع كرشه الفارغة، أو مع ضميره الغائب منذ أن دخل عالم السياسة، أو ربما هو اجتماع افتراضي مع وعوده الانتخابية المتحللة في مقبرة “الخُطب الحماسية”.

لا يخجل. لا يرف له جفن. قد ينظر في عينيك مباشرة وهو يقول لك: “غادي نصلح الطريق، غادي نبني المركز الصحي، غادي ندير وغادي ندير”، بينما هو يعلم، وأنت تعلم، وحتى الكلب الضال العابر يعلم، أن أقصى ما سيبنيه هو حائط على صفحته بالفيسبوك يتلقى فيه الشتائم كلما هطل المطر. وإذا وُجد في المدينة مستشفى، فذلك لأن مستعمرة نمل قررت أن تطور بنيتها التحتية.

أما الوعود الانتخابية؟ فهي كما الشيكات بلا رصيد. وعد اليوم يُدفن غداً في حفرة من حفر الصرف الصحي التي لم تصلها “المشاريع الكبرى”، ويُبعث بعد خمس سنوات في ملصق انتخابي بلون جديد وشعار آخر: “من أجلكم نعود”. يعود فعلاً، لكن ليس من أجلكم، بل من أجل كرسيه الذي يحتفظ عليه برائحة المنصب منذ الدورة السابقة.

الانتخابات بالنسبة لهذا الكائن السياسي هي موسم تزاوج بين الخطاب الخشبي والمصالح الشخصية. فيها يرتدي زي الرجل الوطني، ويستعير لهجة “الفقير ابن الشعب”، ويمشي حافياً في الحي كما لو أنه يفتقد حتى النعال، ثم بعد الفوز، يصعد فوق الجميع، ويلبس ربطة عنق لا تليق إلا برؤساء مجالس وهمية، وينسى الجميع… حتى أمه إن لزم الأمر.

وإذا سألته عن الحساب، أجابك بثقة العالم بكل شيء: “هاذي أمور معقدة، خصنا نراعي التوازنات، راه ماشي ساهل، راك عارف، كاين ضغط”. ضغط مَن؟ لا أحد يعلم. ضغط الهواء؟ ضغط أخلاقه؟ لا يهم. المهم أنه لا يفي. لا يلتزم. لا يبر بقسم. وإن حاصرته الأرقام والوقائع، خرج من المأزق بمقولة جاهزة: “الوضعية صعيبة… ولكن الحمد لله”.

الغريب أن السياسي المغربي لا يخاف. لا يخاف من غضب الناس، ولا من التاريخ، ولا حتى من سجن عكاشة. لماذا؟ لأنه يعرف أن سجونه ليست كعكاشة، وسريره ليس من الحديد، ووجباته ليست عدسًا باردًا. وإن زلّت به القدم، سرعان ما تُفرَش له وسادة قانونية طرية، يُقال عنها: “ضمانات المحاكمة العادلة”. عدالة من؟ لا تسأل. فالقاضي قد يكون ابن عمه، والمحامي صديقه في النادي الليلي، والشاهد “مستشار جماعي” ينتظر نصيبه من الكعكة.

والأطرف من كل هذا، أنه إن سُجن، خرج بطلاً، شهيداً سياسياً، وضحية “مؤامرة”، وجاء أنصاره يرشون الزغاريد، ويلوحون بصورته كما لو كان مانديلا خرج من زنزانة روبن آيلاند.

باختصار، السياسي المغربي كائن متعدد الأوجه، خبير في تقمص الأدوار، يرفع شعار “قول لهم ما يريدون سماعه، ثم افعل ما يحلو لك”. لا يخجل من نفسه، ولا من الكاميرا، ولا من الكذب المتكرر، بل ربما يشعر بالزهو كلما صدّقه أحد. فالنجاح بالنسبة له لا يقاس بعدد المشاريع المنجزة، بل بعدد المغفلين الذين صدقوا أنه فعلاً كان “في اجتماع”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.