الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

الشعب المغربي لا يعرف أسماء الوزراء… ويعرف اسم “مقدم الحومة”: قراءة في الوعي السياسي والارتباط بالمحيط المباشر

ضربة قلم

في إحدى حلقات النقاشات السياسية، التي تتداول بين الشباب، قال أحدهم مبتسمًا:
“أنا ما كنعرّف حتى وزير، ولكن أعرف شكون هو مقدم الحومة ديالي!”

هنا، لا تكمن مجرد روح الدعابة، بل تُفتح أبوابٌ واسعة لفهم علاقة المواطن المغربي بالسلطة، بالمسؤولين، وبالواقع اليومي الذي يعيش فيه. فما سرّ هذه الظاهرة؟ لماذا يعرف المغربي أكثر بمُقدم الحي من أسماء الوزراء في حكومته؟ وما الذي يكشفه هذا عن وعيه السياسي والاجتماعي؟ سنحاول في هذا المقال المفصل أن نبحث في الجذور، الأسباب، والانعكاسات.

الوعي السياسي بين القمة والقاع

في كثير من البلدان الديمقراطية، المواطن قد لا يتذكر كل أسماء نواب البرلمان، أو أعضاء الحكومة، لكنه يدرك من يمثلهم في دوائرهم المحلية، من يلتقونه في القنوات التلفزية، أو من يسمعونه في الحملات الانتخابية. في المغرب، تبدو هذه الظاهرة أكثر حدة:

 المواطن المغربي غالبًا لا يعرف اسم وزير التعليم أو وزير الصحة أو وزير الداخلية
 لكنه غالبًا سيجيب دون تردد عن اسم مقدم الحي، أو قائد الملحقة الإدارية
 ولو سُئل عن وزير معين، سيجد صعوبة في تسمية واحد منهم دون مساعدة.

حتى عندما نتحدث عن الوزراء، قد يُستثنىُ اسم رئيس الحكومة، مثل عزيز أخنوش، ليس لأنه رمز سياسي محلي في قلب الأسر، بل ببساطة، لأنه كان شخصية بارزة في الإعلام والتلفزة – ضيف برامج، ناطقًا إعلاميًا – ما جعله أكثر حضورًا في المشهد العام من الوزراء الآخرين.

لماذا يعرف المغربي مقدم الحومة أكثر من الوزير؟

1 قرب المسؤول من الواقع اليومي

الوزير يجلس في الرباط، أو في وزاراته الكبرى، يتخذ قرارات استراتيجية، قد تظهر آثارها بعد وقت طويل. أما المقدم فيقع في الحي، يراقب الشارع، يتلقى الشكايات عن البنايات المهملة، عن الروائح، عن السيارات المتوقفة، في الأماكن غير المسموح بها. حين يتدخل المقدم لحل مشكلة في الحي – قد لا تكون إصلاحًا جذريًا – لكن تأثيره المباشر، يترك أثرًا محسوسًا في نفس المواطن.

في لحظة غضب بسبب مشكلة في الإنارة الليلية، أو مياه الشرب، يسأل المواطن:
“يا ربي، فين الوزير؟!”
ليأتي الجواب:
“سير سول المقدم!”

القرب هنا ليس مجازيًا فقط، بل هو درجة من التأثير اليومي.

2 غياب التواصل السياسي الفعّال

وزارة التعليم مثلاً:
تعلن عن إصلاحات، لكن الأغلبية، قد لا تشاهدها مباشرة في الواقع الدراسي.
وزارة الصحة:
تضع برامج صحية، لكن المريض يرى الطبيب، لا يسمع الوزير.

الأحداث المحلية تُصاغ غالبًا في الفصول، والمدارس والمستوصفات، وليس في قاعات الوزارة، ما يجعل الارتباط بين المواطن واسم الوزير ضعيفًا.

من ناحية أخرى، المقدم – أو قائد الملحقة – قد يأتي إلى الحي، ينظم دورية، يستقبل شكاية، أو حتى يُشارك في احتفال محلي، فيظهر بوضوح أمام الناس.

3 التمثيل الإعلامي

الإعلام يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجماهيري.
في مقابل تغطية إعلامية كبيرة، لأحداث مثل كأس إفريقيا، مباريات كرة القدم، أو حتى ظهور رئيس الحكومة في التلفزيون الوطني، تقلُّ تغطية الأسماء الوزارية الأخرى.

الوزير قد يظهر في مؤتمر صحفي، لكن الأداء اليومي لا يُصوَّر، ولا يُناقش في برامج تلفزية شعبية. بينما مقدم الحي يُرى في الشارع، ويُسمع في اللقاءات المحلية، وقد حتی يتم ذكره في تسجيلات فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.

تأثير هذا الواقع على الوعي الانتخابي

من الطبيعي، في ظل هذا الانفصال بين المواطن وأسماء صانعي القرار، أن يتراجع الوعي الانتخابي أو يتغير نمطه:

 المواطن قد يصوت لمرشح محلي، بسبب علاقة شخصية أو علاقة حيّية، وليس بسبب برنامج سياسي واضح، أو حتى مقابل ورقة نقدية من فئة مائتي درهم.
 البرامج الوزارية قد تبدو بعيدة وغير ملموسة في الحياة اليومية.
السياسي الذي لا يزور الأحياء، ولا يظهر في الشارع، قد يظل اسمًا غريبًا بالنسبة للمواطن.

في الانتخابات، لا يتذكر المواطن اسم وزير، لكنه يتذكر من سار معه في الطريق، من صلّح له عطلًا في الإنارة، أو من ساعده في موضوع بسيط.

حكايا من الشارع: بين الضحك والجِدّ

في إحدى الحوارات مع سكان حي شعبي بمدينة كبرى، قال أحدهم وهو يضحك:
“حتى شي وزير ما عرفتو… غير مقدم الحومة، سمّه عزيّز، هو اللي كيفهمنا في المشاكل ديالنا.”

سألته:
“واش تعرف الوزير ديال الصحة؟”
فأجاب:
“صافي غير كيظهر فالتلفزة… أما في المستوصف، أنا كنلقى الفرملي هو اللي كيهدر معايا.”

وهنا يكمن الوجه الأهم للموضوع:
المواطن يتفاعل مع الواقع الملموس أكثر من التمثيل السياسي البعيد.

هل هذه ظاهرة سلبية أم دلالة صحية على السياسة المحلية؟

المشهد يمكن تأويله من زوايا مختلفة:

دلالة على قوة البنية المحلية

  • تقوية الهياكل الإدارية القريبة من المواطن

  • تسهيل وصول الناس للمسؤولين

ومع ذلك… فجوة في العلاقة بالمستوى المركزي

  • ضعف في توصيل السياسات الحكومية للجمهور

  • عدم معرفة أسماء صانعي القرار والسياسات العامة

  • قلة ثقافة إعلامية سياسية متوازنة

ماذا يمكن أن يكون الحل؟

تعزيز التواصل السياسي

الوزارة يمكن أن تُخصص برامج إعلامية، تشرح السياسات بشكل بسيط، يُفسَّر التأثير المباشر للمشاريع على حياة الناس.

الربط بين المستوى المركزي والمحلي

تقديم تقارير شعبية، توضح ما قام به وزير معيّن ،وكيف وصل أثر ذلك إلى الحي.

التربية السياسية في المناهج

لا يكفي أن يعرف الطالب التاريخ، يجب أن يعرف كيف تعمل الدولة، من يصنع القرار، ولماذا يسمي وزيرًا بهذه الوظيفة.

خاتمة: بين المقدم والوزير… واختبار الثقة

في نهاية المطاف، لا يعني أن الناس لا تعرف أسماء الوزراء، أنها لا تهتم بالسياسة أو الشأن العام. بل تعني أن السياسة لم تعد قريبة بما فيه الكفاية من حياتهم اليومية. عندما يعيش المواطن، حياتَه اليومية في الشارع، وعلى مستوى الحي، يصبح المقدم هو البطل، والوزير الاسم البعيد.

وهنا يطرح سؤال جوهري:
هل سنصل يومًا إلى حالة سياسية، يُصبح فيها اسم الوزير في فم المواطن، بقدر ما يعرف مقدم الحومة؟

الإجابة على هذا السؤال تحتاج جهودًا ثقافية، تعليمية، وإعلامية، لكنها أيضًا، تتطلب أن يشعر المواطن،بأن قراراتها تؤثر في حياته بشكل واضح، وليس فقط في الخطابات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.