الشنيولة تفضح مجلس جماعة المحمدية: لسعات الحشرات تتحول إلى برنامج تواصلي بديل!

ضربة قلم
يبدو أن مدينة المحمدية، تعيش هذه الأيام على إيقاع مفارقة غريبة تجمع بين ما هو بيئي وما هو سياسي، بين “شنيولة” تلسع الأجساد، وواقع جماعي يلسع أعصاب الساكنة. فعودة مصاصات الدماء الصغيرة -أو ما يُعرف محليًا بـ”شنيولة”- لم تعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل تحولت إلى عنوان يومي لمعاناة صامتة، تُعيد إلى الواجهة أسئلة أكبر بكثير من مجرد حشرة مزعجة.
في الظاهر، الأمر بسيط: حشرة تنتشر مع الحرارة والرطوبة، تهاجم السكان، تترك آثارها على الجلد، وتختفي. لكن في العمق، ما يحدث في المحمدية يكشف عن اختلالات أعمق، حيث تتحول “الشنيولة” إلى رمز صارخ لفشل تدبير بيئي، بل وحتى لتدبير سياسي لا يقل إزعاجًا.
الساكنة اليوم لا تشتكي فقط من لسعات مؤلمة، بل من شعور عام بالإهمال. فانتشار هذه الحشرة يرتبط عادة بمشاكل واضحة: مياه راكدة، قنوات صرف غير مصانة، مساحات خضراء مهملة، وأحياء تفتقر إلى الحد الأدنى من العناية. بمعنى آخر، “الشنيولة” لا تأتي من فراغ، بل تجد بيئة مثالية في غياب الصيانة والتدخل الاستباقي.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
حين تتحول الحشرة إلى “ناطق رسمي” باسم الواقع، فإنها تقوم -بطريقتها الخاصة- بدعاية غير مباشرة لمجلس الجماعة. ليس لأنها تروج له، بل لأنها تكشفه. كل لسعة هي إعلان غير مدفوع عن خلل ما، كل انتشار هو حملة تواصلية قاسية تذكر الناس بأن هناك شيئًا لا يُدبَّر كما يجب.
الساكنة أصبحت تتحدث بنوع من السخرية السوداء: “الشنيولة خدامة أكثر من بعض المسؤولين”، لأنها على الأقل “حاضرة” في كل الأزقة، لا تغيب، ولا تحتاج إلى برنامج عمل، ولا إلى ميزانية تواصل. هي تشتغل بصمت، لكنها تترك أثرًا لا يمكن تجاهله.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن هذه الظاهرة تسكب الزيت على نار الاحتقان الاجتماعي. المواطن الذي يعاني أصلاً من ضغط المعيشة، ومن مشاكل يومية في النقل أو النظافة أو الخدمات، يجد نفسه مضطرًا أيضًا لخوض “حرب ليلية” مع حشرة لا ترحم. النوم يتحول إلى معركة، والراحة إلى رفاهية نادرة.
هذا التراكم البسيط في ظاهره، العميق في أثره، يخلق حالة من الغضب غير المعلن. لأن المواطن لا يفصل بين “لسعة الشنيولة” و”لسعة الواقع”. الاثنتان معًا تصنعان شعورًا بأن المدينة تُترك تدريجيًا لقدرها، وأن التفاصيل الصغيرة التي تصنع جودة الحياة لم تعد ضمن الأولويات.
والأخطر من ذلك، أن غياب تواصل واضح من الجهات المسؤولة يزيد الوضع تعقيدًا. فحين لا تُشرح الأسباب، ولا تُعلن خطط المعالجة، ولا يُطمأن المواطن، تتحول الحشرة إلى “مؤشر أزمة”. ليس لأنها خطيرة في حد ذاتها، بل لأنها تعكس غيابًا في التدبير.
في مدن كثيرة، تُعتبر مثل هذه الظواهر فرصة لإظهار نجاعة التدخل العمومي: حملات رش منتظمة، تنظيف شامل، تعبئة سريعة، وتواصل مباشر مع السكان. أما حين تستمر الظاهرة دون رد حازم، فإنها تتحول إلى مادة خصبة للنقاش، بل وإلى أداة نقد لاذعة.
في المحمدية اليوم، “الشنيولة” لم تعد مجرد حشرة. أصبحت قصة تُحكى في المقاهي، موضوعًا للسخرية على مواقع التواصل، ورمزًا لمدينة تتساءل: هل نحن ضحايا الطبيعة فقط، أم ضحايا تدبير كان يمكن أن يكون أفضل؟
وفي انتظار الجواب، يستمر المشهد: مواطنون يحكون أجسادهم، ونقاشات تشتعل، و”شنيولة” تواصل مهمتها… كأنها تقول، بطريقتها الخاصة، إن التفاصيل الصغيرة قد تكون أحيانًا أكبر من كل الشعارات.




