الصباح الأسود في البرادعة… السلطة تغدر بالسكان وتزجهم في العراء وسط جرافات القوة

ضربة قلم
في مشهد صادم ومقلق، أعاد إلى الواجهة أسئلة كبرى، حول معنى السلطة وحدود استعمالها، وحول موقع الإنسان وكرامته في السياسات العمومية، شهد دوار البرادعة بالمحمدية، صباحًا وُصف لدى الساكنة بـ“الصباح الأسود”، إنزالًا أمنيًا كثيفًا، استُحضرت له أعداد كبيرة من عناصر الأمن والقوات المساعدة والوقاية المدنية، بتعليمات مباشرة من عمالة المحمدية، قصد الشروع في عملية هدم واسعة، دون سابق إنذار، وفي غياب أي مقاربة إنسانية، تراعي أوضاع الأسر ومستقبلها.
ويأتي هذا التطور الخطير في وقت قريب، من توصلنا ببلاغ صادر عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع المحمدية، أعربت فيه عن تنديدها القوي بإقدام السلطات العمومية، على هدم دوار البرادعة بالقوة، معتبرة ذلك خرقًا صارخًا للحق في السكن وانتهاكًا واضحًا للالتزامات الوطنية والدولية للمغرب، في مجال حقوق الإنسان، لا سيما ما يتعلق بحماية الفئات الهشة وضمان العيش الكريم للأسر.
غير أن ما يزيد هذا الملف قتامة، ويضفي عليه طابع الصدمة الأخلاقية، قبل القانونية، هو أن ساكنة دوار البرادعة، لم تكن في موقع الرفض أو التحدي، بل اختارت، منذ البداية، طريق الحوار والمسؤولية. فقد ظلت لجنة الحوار، التي تمثل الساكنة، في تواصل دائم ومنتظم مع السلطة المحلية، في نقاشات طويلة، قامت على منطق التوافق، واحترام الزمن الاجتماعي والإنساني، حيث تم التداول بشأن تعميم الاستفادة، ومنح مهلة زمنية معقولة تراعي تمدرس الأطفال، وتمكن الأسر من إيجاد حلول بديلة، على رأسها الظفر بكراء، يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار الأسري.
ووفق ما تؤكده مصادر من عين المكان، فإن هذه الحوارات، كانت تسير في اتجاه إيجابي، وخلقت لدى الساكنة إحساسًا، ولو نسبيًا، بالطمأنينة، على أساس وعود قُطعت، والتزامات شُفوية قُدمت، ما جعل العديد من الأسر، تؤجل البحث الجدي عن بدائل، اعتمادًا على منطق الثقة في المؤسسات، وحسن النية، واحترام الكلمة.
لكن، وعلى نحو مفاجئ وصادم، اختارت السلطة منطق المباغتة، بدل الاستمرار في الحوار، ومنهج القوة بدل الوفاء بالالتزامات، حيث تم اقتحام الدوار في هذا الصباح الكبير، دون إشعار مسبق، ودون أي اعتبار للنساء والأطفال وكبار السن، في ما اعتبرته الساكنة خيانة للوعود، وطعنًا في الظهر، وسقوطًا مدويًا، لكل القيم التي يُفترض، أن تؤطر العلاقة بين الإدارة والمواطن.
مشاهد الهدم، وصراخ الأطفال، وذهول الأمهات، ووقوف الأسر عاجزة، أمام جرافات، لا تميّز بين جدار وذاكرة، ولا بين سقف من صفيح وحلم بالاستقرار، تختزل مأساة إنسانية حقيقية، لا يمكن تبريرها، بأي منطق تقني أو إداري. فالهدم، حين يُمارس دون بدائل واضحة، ودون احترام الزمن الاجتماعي، يتحول من إجراء إداري، إلى عنف رمزي ومادي، يضرب في العمق كرامة الإنسان، ويقوض الثقة في الدولة ومؤسساتها.
إن ما وقع بدوار البرادعة، لا يطرح فقط إشكال السكن، بل يفتح نقاشًا أوسع، حول طبيعة المقاربة المعتمدة، في تدبير ملفات الهشاشة، وحول جدوى استحضار الجيوش النظامية، في مواجهة أسر فقيرة، لا تطالب سوى بحقها، في زمن إنساني يحمي أبناءها من التشرد، ويجنبهم السقوط في العراء.
وأمام هذا الوضع، تبدو تساؤلات الرأي العام مشروعة: أي رسالة تُوجه للمواطن، حين تُستبدل لغة الحوار بمنطق القوة؟ وأي صورة تُرسم عن دولة يفترض أنها راعية للحقوق، حين تُداس الكلمة، وتُهدر الوعود، وتُقدّم الجرافة على الإنسان؟
إن دوار البرادعة اليوم، ليس مجرد نقطة على خريطة المحمدية، بل عنوان صارخ لاختبار حقيقي، لمدى احترام الحق في السكن، ولجوهر الكرامة البشرية، وللقدرة على المواءمة، بين إنفاذ القانون وصون الإنسان. وفي غياب حلول بديلة واضحة، ومسؤولة، سيظل هذا الملف، مفتوحًا على كل الاحتمالات، وعلى جرح إنساني عميق، لن تمحوه عمليات الهدم، مهما بلغت قوتها.




