
م-ص
كم آلمتني صورة هذه المراهقة. ليست مجرد فتاة مغربية وصلت إلى الضفة الأخرى، بل مرآة تعكس وجها آخر لوطن، كان يفترض أن يحتضن أبناءه، بدل أن يدفعهم إلى البحث عن وطن بديل.
نحن لا نقتسم معها الجنسية فقط، بل نقتسم معها الخيبة أيضا. ونقتسم معها سنوات من الانتظار، وسنوات من الوعود التي كانت تكبر في الخطب، بينما كانت أحلام الشباب تصغر على أرض الواقع.
وما زاد المشهد وجعا، تلك الصور المؤلمة لأطفال في عمر الزهور، وآباء وأمهات يحملون أبناءهم بين أذرعهم وهم يعبرون نحو سبتة. لم يكونوا يحملون حقائب مليئة بالثروة، بل كانوا يحملون آخر ما تبقى لهم من أمل. كانوا يحملون سؤالا واحدا: لماذا أصبح المستقبل خارج الوطن، أقرب من المستقبل داخله؟
أما تلك المراهقة وهي تشير بإصبعيها إلى علامة النصر، فلم تكن تحتفل بعبور حدود جغرافية فقط، بل كانت، في نظرها، تعلن انتصارها على واقع خذلها. كانت تقول، بصمتها أكثر، مما تقوله الكلمات: لقد هزمت اليأس الذي حاول أن يحاصرني. لقد أفلت من قبضة الفقر الذي أصبح قدرا لكثير من الأسر. لقد تركت وراء ظهري وطنا أحببته، لكنني، لم أجد فيه ما يكفي من الكرامة لأتشبث بالبقاء.
إنها صورة تستفز الضمير، قبل أن تستفز السياسة. صورة تطرح سؤالا قاسيا: كيف أصبح آلاف الشباب يغامرون بحياتهم، بينما يستمر البعض في الحديث عن الإنجازات، وكأنهم يعيشون في بلد آخر؟
المغاربة لا يطلبون المعجزات. لا يطلبون القصور ولا الامتيازات. يريدون فقط مدرسة تفتح أبواب المستقبل، ومستشفى يحفظ الكرامة، وعملا يصون الإنسان من ذل الحاجة، وإدارة تجعل المواطن شريكا لا رقما، وعدالة يشعر أمامها الجميع، بأن القانون لا يميز بين قوي وضعيف.
لكن المؤلم أن فئات واسعة من المواطنين، تشعر بأن الثروة تتركز في أيد قليلة، وأن فرص الارتقاء الاجتماعي، أصبحت أكثر صعوبة، وأن الفساد والزبونية والمحسوبية ما زالت، في نظر كثيرين، من أكبر العوائق أمام تكافؤ الفرص. وعندما يفقد الشباب الثقة في أن الجهد وحده، يكفي لصناعة المستقبل، فإن أخطر ما نخسره ليس الأيدي العاملة، بل الأمل نفسه.
والمفارقة الصادمة أن الأموال التي كان يمكن أن تتحول إلى مصانع، ومدارس، ومستشفيات، وفرص شغل، تغادر البلاد في وضح النهار، بطرق غير مشروعة، وفق ما تكشفه بعض التقارير الأجنبية، بينما يبقى المواطن البسيط، مطالبا دائما بالصبر والتضحية وتحمل الأزمات. وبينما يزداد الفقير فقرا، يشعر كثير من الناس، بأن دائرة المستفيدين من النفوذ والامتيازات لا تتوقف عن الاتساع، فيتولد ذلك الإحساس المرير، بأن قواعد اللعبة ليست واحدة للجميع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن، ليس أن يهاجر شبابه فقط، بل أن يقتنعوا بأن مستقبلهم، لا مكان له داخله. وعندما تصبح صورة فتاة ترفع علامة النصر، بعد مغادرة وطنها، أكثر إقناعا من عشرات الخطب والشعارات، فعلينا أن نتوقف جميعا، دولة ومؤسسات ونخبا، أمام هذا المشهد بكل شجاعة، لأن الأوطان لا تخسر فقط أبناءها عندما يرحلون، بل تخسر جزءا من ثقتها بنفسها.
وإذا كان هناك من انتصر في تلك الصورة، فليس لأن البحر كان رحيما، بل لأن اليأس كان أقوى من الخوف. وهذا وحده كافٍ ليكون جرس إنذار مدويا. فالأوطان لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بعدد أبنائها الذين يختارون البقاء فيها، وهم مقتنعون بأن الغد سيكون أفضل من الأمس، لا أن يبحثوا عن هذا الغد، خلف الأسلاك الشائكة أو وراء أمواج البحر.




