الطاقة اللامركزية بمراكش.. خبراء ومؤسسات يدعون إلى تسريع الانتقال الطاقي وتعزيز السيادة الوطنية

عبد الرزاق القاروني
ويندرج هذا اللقاء ضمن سلسلة من المحطات الجهوية، التي أطلقتها مبادرة “إيمال” والائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، بهدف التعريف بنتائج الدراسات المنجزة حول الطاقة اللامركزية، وفتح نقاش عمومي واسع حول مستقبل الانتقال الطاقي بالمملكة، فضلاً عن تعزيز انخراط مختلف الفاعلين في بلورة نموذج طاقي وطني أكثر سيادة ومرونة واستدامة.
وجاء تنظيم هذا الحدث في ظرفية دولية تتسم بتعاظم التحديات المرتبطة بالطاقة، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، والتغيرات المناخية المتفاقمة، والتقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية، وهو ما يفرض البحث عن حلول مبتكرة لتسريع الانتقال نحو نماذج طاقية أكثر عدالة واستدامة وقدرة على التكيف، سواء على المستوى الوطني أو الترابي.
وعرف اللقاء مشاركة وازنة لممثلين عن الشركة الجهوية متعددة الخدمات مراكش-آسفي، إلى جانب مسؤولين وممثلين عن قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية معنية بمجالات الطاقة والبيئة والتنمية الترابية، فضلاً عن ممثلي المجلس الجماعي ومجالس المقاطعات بمدينة مراكش، والفاعلين الاقتصاديين وممثلي القطاع الخاص.
كما شهدت أشغال هذا الملتقى حضور عدد من الأساتذة الباحثين والخبراء والمهندسين المنتمين إلى كلية العلوم السملالية وكلية العلوم والتقنيات والمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بمراكش، إضافة إلى طلبة وباحثين وفعاليات من المجتمع المدني وممثلي وسائل الإعلام الوطنية والجهوية، ما أضفى على النقاشات طابعاً تشاركياً وتعددياً ساهم في إغناء المداولات ورفع جودة التوصيات المنبثقة عن اللقاء.
وشكلت مشاركة الشركة الجهوية متعددة الخدمات مراكش-آسفي قيمة مضافة حقيقية لأشغال هذا الموعد الجهوي، بالنظر إلى الأدوار الاستراتيجية التي تضطلع بها في تدبير خدمات القرب والبنيات التحتية الأساسية، وما يمكن أن تقوم به من دور محوري في مواكبة مشاريع الطاقات المتجددة اللامركزية وتعزيز النجاعة الطاقية على المستوى الترابي.
وكان اللقاء مناسبة لتبادل الخبرات والتجارب واستعراض السبل الكفيلة بتطوير أنظمة الطاقات المتجددة اللامركزية، بما يساهم في تعزيز السيادة الطاقية الوطنية وتقوية المرونة الترابية، إلى جانب خلق فرص الشغل وتحفيز الاستثمار المحلي، انسجاماً مع التوجهات الوطنية الرامية إلى بناء نموذج تنموي مستدام ومنخفض الكربون.
وتضمن برنامج هذا الموعد العلمي، عرض نتائج التقرير الذي أعدته مبادرة “إيمال” حول إمكانات الطاقة الشمسية اللامركزية بالمغرب، مع التركيز على جهة مراكش-آسفي، حيث أبرزت الدراسة المؤهلات الواعدة التي تتوفر عليها الجهة في مجال إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية فوق الأسطح، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية إيجابية خلال السنوات المقبلة.
وأكدت العروض المقدمة، خلال اللقاء أن تعميم حلول الطاقة الشمسية اللامركزية، من شأنه أن يعزز الأمن الطاقي الوطني، ويقلص من التبعية للطاقات الأحفورية المستوردة، ويساهم في خفض الانبعاثات الكربونية، فضلاً عن فتح آفاق جديدة للاستثمار وإحداث فرص للشغل على المستوى المحلي.
كما شهد اللقاء، تقديم عرض حول الإطار القانوني المنظم للإنتاج الذاتي للكهرباء، ولاسيما مقتضيات القانون رقم 82.21، حيث تمت مناقشة مختلف الفرص التي يتيحها هذا الورش الوطني لفائدة المواطنين والمقاولات والجماعات الترابية، إلى جانب تنظيم مائدة مستديرة متعددة الأطراف خصصت لتدارس الإكراهات والتحديات والفرص المرتبطة بتطوير الطاقة اللامركزية على الصعيد الترابي.
وفي ختام الأشغال، أجمع المشاركون على الأهمية الاستراتيجية للطاقة اللامركزية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الأمن والسيادة الطاقية بالمغرب، وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية أكثر استدامة وشمولية. كما نوهوا بالمجهودات التي تبذلها مختلف المؤسسات الوطنية والجهوية لتسريع وتيرة الانتقال الطاقي، مع التأكيد على ضرورة مواصلة التنسيق والتعاون من أجل تحويل الإمكانات الطاقية الواعدة التي تزخر بها جهة مراكش-آسفي إلى مشاريع ملموسة تسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزز مكانة المغرب كفاعل إقليمي ودولي بارز في مجال الانتقال الطاقي ومواجهة التغيرات المناخية.

وأسفر هذا الملتقى عن جملة من التوصيات العملية، من أبرزها الإسراع بتنزيل مقتضيات القانون 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للكهرباء، وتبسيط المساطر الإدارية والتقنية المرتبطة به، وتشجيع الاستثمار في مشاريع الطاقات المتجددة اللامركزية، مع تطوير آليات تمويل مبتكرة تستهدف الأسر والمقاولات والتعاونيات.
كما أوصى المشاركون، بتعميم مشاريع الطاقة الشمسية فوق أسطح المباني العمومية والمؤسسات التعليمية والصحية والإدارية والسكنية، وتعزيز الشراكات بين الفاعلين العموميين والخواص، لتطوير مشاريع الطاقة اللامركزية على المستوى الترابي، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار وربط مخرجات الجامعات ومراكز البحث باحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة.
وشملت التوصيات كذلك، إحداث آلية جهوية للتنسيق والتشاور تجمع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والأكاديميين والمدنيين، لمواكبة مشاريع الانتقال الطاقي، فضلاً عن تطوير برامج التكوين وبناء القدرات لفائدة الشباب والمهندسين والتقنيين والمنتخبين المحليين في مجالات الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية.
ودعا المشاركون أيضاً، إلى إدماج الطاقة اللامركزية ضمن برامج ومخططات التنمية الجهوية والمحلية، باعتبارها رافعة حقيقية للتنمية المستدامة وخلق فرص الشغل، وتشجيع إحداث مجتمعات طاقية محلية تساهم في إنتاج واستهلاك وتبادل الطاقة النظيفة بشكل تشاركي ومستدام، مع تكثيف جهود التحسيس والتوعية بأهمية الانتقال الطاقي ودوره في تحسين جودة الحياة، وتعزيز التنافسية الاقتصادية وحماية البيئة.




