الشرق الأوسط ينجو مؤقتًا: من الانفجار إلى الانتظار

ضربة قلم
ما عاد الحديث عن “حرب عالمية ثالثة” ضربًا من الخيال السياسي أو السيناريوهات المفرطة في التشاؤم. فالمشهد الدولي، الذي كان حتى وقت قريب مبلبلًا بأصوات الطائرات المسيّرة والتهديدات النووية والمناورات الردعية، دخل منعطفًا حاسمًا بعد إعلان وقف لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل، إثر مهلة الساعات الست التي طرحتها واشنطن.
قد تكون الحرب قد تأجلت، أو ربما تم تأطيرها من العلن إلى الخفاء، لكنها بالتأكيد تركت وراءها مشهدًا مضطربًا، يُنذر بتحول عميق في بنية النظام العالمي. ما جرى في الشرق الأوسط، وما يتفاعل في أوروبا وآسيا، يُشير إلى أن مناطق التوتر لم تعد جغرافيًا محصورة، بل باتت جاهزة للامتداد إلى خرائط لم تُدرج بعد في مسرح النار.
مسرح الشرق الأوسط: نار تحت الرماد
عاش الإقليم أسابيع على وقع احتمالات كارثية: تصعيد إسرائيلي في غزة وجنوب لبنان، وضربات متبادلة مع إيران من دمشق إلى البحر الأحمر، وتهديدات بضرب المنشآت النووية، وردود محتملة من الحرس الثوري وحلفائه في العراق وسوريا واليمن.
لكن في الساعات الأخيرة، وفي ما يشبه “اللحظة الحاسمة”، قبلت الأطراف بالوساطة الأمريكية والدولية، وأُعلن وقف إطلاق النار في الساعة الأخيرة من المهلة، تحت ضغط من واشنطن، وبتنسيق مع عدة عواصم، بينها الرباط والقاهرة ومسقط.
السؤال الآن: هل هو وقف دائم، أم هدنة مؤقتة تُخفي ما هو أعظم؟
الولايات المتحدة: وساطة بقفاز حديدي
واشنطن التي طالما تلذذت بلعب دور “شرطي العالم”، هذه المرة لجأت إلى العصا والجزرة في آن. هددت، فاوضت، ضغطت، ونجحت في تثبيت التهدئة. لكن خلف هذا النجاح الظاهري، تختبئ أسئلة صعبة: إلى متى؟ وما الثمن؟
البيت الأبيض اعتبر أن “تفادي الحرب” نجاح للدبلوماسية، لكنه لم يلغِ احتمال العودة إليها. فالحرب ما زالت مؤجلة، لا ملغاة.
أوروبا: تلتقط أنفاسها… لكن الحذر باق
أوروبا التي استنزفتها الحرب الأوكرانية، تنفّست الصعداء بعد نزع فتيل الحرب في الشرق الأوسط. لكن القلق باقٍ: وقف إطلاق النار لا يعني انتهاء التهديد. موجات الهجرة، وأزمة الطاقة، والاضطراب الأمني قد تظل حاضرة، ولو بصيغة أقل فوضى.
روسيا والصين: زمن إعادة التموضع
روسيا، الغارقة في مستنقع أوكرانيا، استبشرت مبدئيًا بتوتر الشرق الأوسط، لعلّه يخفف ضغط الغرب عليها. لكن التهدئة المفاجئة أربكت حساباتها. أما الصين، فرحّبت بالهدنة، لكنها تدرك أن تراجع التصعيد لا يعني استقرارًا طويل الأمد، بل مجرد هدنة في حرب النفوذ.
السيناريوهات المُعدّلة: من النار إلى “التثليج المؤقت”
| السيناريو | الاحتمال | التداعيات |
|---|---|---|
| هدنة دائمة مع مفاوضات | متوسط (50%) | مكاسب دبلوماسية، خفض التصعيد، ترتيبات أمنية جديدة |
| عودة تدريجية للتصعيد | مرتفع (65%) | هجمات بالوكالة، توترات محدودة، نزيف أمني واقتصادي |
| حرب شاملة مؤجلة | متوسط (40%) | في حال فشلت التفاهمات أو اختلّ توازن الردع |
| تحرك دولي واسع النطاق | ضعيف (20%) | مشروط بإجماع دولي لا يبدو ناضجًا بعد |
| تحولات داخلية في إيران/إسرائيل | ضعيف جدًا (10%) | مرهون بأحداث غير متوقعة داخليًا |
ما زال المشهد العربي يتسم بالضياع الإستراتيجي:
-
الخليج: مرتاح نسبيًا من وقف التصعيد، لكنه يدرك هشاشته، خاصة في ظل الخوف على أمن المنشآت النفطية.
-
مصر والأردن: ارتياح من التهدئة، بلا نفوذ فعلي في صناعة القرار.
-
المغرب والسودان والبحرين: الحرج السياسي يتزايد، إذ إن التطبيع مع إسرائيل يُحرج أمام الشارع العربي الرافض للحرب.
-
سوريا ولبنان: الساحات تحولت إلى رهائن لقرارات فوقية، لا تملك الحكومات فيها أي قدرة على الإمساك بزمام الأمور.
-
الشعوب العربية: تنفّس، غضب، وتعبير افتراضي على منصات التواصل… لكن بلا أدوات تغيير.
خلاصة الموقف العربي: حاضرون كغيابٍ ناطق
مرة أخرى، لم يكن القرار في يد العرب، بل في واشنطن وطهران وتل أبيب. كانت العواصم العربية رهينة الحسابات الكبرى، وأحيانًا، رهينة الخوف من الانفجار الداخلي. التهدئة مؤقتة، لكن الأسئلة حول الوزن العربي تبقى قائمة: لماذا لا نؤثر؟ ولماذا نكتفي دائمًا بالتفاعل بدل الفعل؟
خاتمة: هدنة في زمن الغليان
ربما لا تندلع حرب عالمية ثالثة اليوم. لكن ما حدث ليس سلامًا حقيقيًا، بل هدنة هشّة على جدار متصدّع. الحرب الإيرانية-الإسرائيلية لم تنتهِ فعليًا، بل تبدلت لغتها. من صواريخ الليل إلى بيانات النهار، ومن الدخان الأسود إلى المفاوضات الرمادية.
العالم بحاجة لصوت العقل، لا لأزيز الطائرات. لكن، وحتى إشعار آخر، تبقى الحقيقة أن ما بين المهلة والمهلكة، لا يفصلنا إلا توقيع… أو صاروخ.




